قلت : ( جاءتها ) : جواب « إذا » ، وجملة ( دعوا ) : بدل من « ظنوا » بدل اشتمال ؛ لأن دعاءهم من لوازم الظن .
يقول الحق جل جلاله :
وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً
، كصحة وعافية وخصب
مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ
، كمرض أو قحط
إِذا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آياتِنا
بالطعن فيها ، والاحتيال في دفعها ، فقد قحط أهل مكة حتى أكلوا الجلود والميتة ، ثم رحمهم بالغيث ، فطعنوا في آياته بالتكذيب ، وكادوا رسوله - عليه الصلاة والسلام -
قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْراً
منكم ، فقد دبر عقابكم قبل أن تدبروا كيدكم ، ووصف مكر اللّه بالسرعة وإن كان الاستدراج يمهلهم ؛ لأنه متيقن واقع لا محالة ، وكل آت قريب .
إِنَّ رُسُلَنا
الحفظة
يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ
فنجازيكم عليه . قال البيضاوي : هو تحقيق للانتقام ، وتنبيه على أن ما يدبرون في إخفائه لم يخف على الحفظة فضلا أن يخفى على اللّه . وعن يعقوب : « يمكرون » بالياء ليوافق ما قبله . ه . قال ابن جزى : هذه الآية للكفار ، وتتضمن النهى لمن كان كذلك من غيرهم ، والمكر هنا :
الطعن في آيات اللّه وترك شكره ، ومكر اللّه الموصوف بالسرعة هو عقابه لهم ، سماه مكرا مشاكلة لفعلهم ، وتسمية للعقوبة باسم الذنب . ه .
فنزول الرحمة بعد الشدة آية تدل على كمال قدرته . وقد ورد أنه لما نزل بهم القحط التجئوا إليه صلّى اللّه عليه وسلّم وقالوا :
يا محمد ؛ إنك جئت تأمر بمكارم الأخلاق ، وإن قومك قد هلكوا ، فادع اللّه يغيثنا ، فدعا ، فنزل عليهم الغيث ، فكانت معجزة له - عليه الصلاة والسلام - .
ثم ذكر آية أخرى فقال :
هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ
بقدرته
فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ، حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ
:
السفن ،
وَجَرَيْنَ بِهِمْ
بمن فيها ، عدل عن الخطاب إلى الغيبة للمبالغة ، كأنه تذكرة لغيرهم ليتعجب من حالهم ، ففيه التفات . ومقتضى القياس : وجرين بكم
بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ
: لينة الهبوب ،
وَفَرِحُوا بِها
لسهولة السير بها ،
جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ
أي : شديد الهبوب ،
وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ
من كل جهة لهيجان البحر حينئذ ،
وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ
أي : أهلكوا ، أو سدت عليهم مسالك الخلاص ، كمن أحاط به العدو .