تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 420

مساهمون:

ص٤٢٠
ثم ذكر منافقى البادية ، فقال :

[ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 97 إلى 99 ]

الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( 97 ) وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَماً وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 98 ) وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ قُرُباتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَواتِ الرَّسُولِ أَلا إِنَّها قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 99 ) يقول الحق جل جلاله :
الْأَعْرابُ
، وهم سكان البادية ، قال ابن عزيز : يقال : رجل أعرابي ، إذا كان بدويا . وإن لم يكن من العرب ، ورجل عربى ، إذا كان منسوبا إلى العرب ، وإن لم يكن بدويا . أهل البوادي من المنافقين هم
أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً
من أهل الحاضرة ، وذلك لتوحشهم وقساوتهم ، وعدم مخالطتهم لأهل العلم ، وقلة استماعهم للكتاب ،
وَأَجْدَرُ
أي : أحق
أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ
من الشرائع وفرائضها وسننها ، لبعدهم عن مجالس العلم ،
وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
؛ يعلم كل واحد من أهل الوبر والمدر ، حكيم فيما يدبر من إسكان البادية ، أو الحاضرة ، ويختار لكل واحد بحكمته البالغة ما يليق به ، وسيأتي بقية الكلام على سكنى الحاضرة أو البادية في الإشارة ، إن شاء اللّه .
وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يَتَّخِذُ
أي : يعد
ما يُنْفِقُ
من الزكاة وغيرها في سبيل اللّه ،
مَغْرَماً
أي : غرامة وخسرانا ؛ إذ لا يحتسبه عند اللّه ، ولا يرجو عليه ثوابا ، وإنما ينفقه لرياء أو تقية ، فيثقل عليه ثقل المغرم الذي ليس بحق ،
وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ
أي : دوائر الزمان ونوبه ، أو ينتظر بكم مصائب الزمان ، لينقلب الأمر عليكم ؛ فيتخلص من الإنفاق الذي كلف به . قال تعالى :
عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ
، وهو دعاء عليهم بنحو ما يتربصونه - أي : عليهم يدور من الدهر ما يسوءهم - أو جعل اللّه دائرة السوء نازلة بهم . قال ابن عطية : كل ما كان بلفظ دعاء من جهة اللّه - عز وجل - فإنما هو بمعنى إيجاب الشيء ؛ لأن اللّه تعالى لا يدعو على مخلوقاته وهي في قبضته ، ومن هذا قوله :
وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ
« 1 » ،
وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ
« 2 » ، وهي كلها أحكام تامة تضمنها خبره تعالى . ه . أو إخبار عن
هامش
( 1 ) الآية الأولى من سورة الهمزة . ( 2 ) الآية الأولى من سورة المطففين .