قلت : مفعول ( نبأ ) الثاني : محذوف ، أي : نبأنا جملة من أخباركم ، و ( جزاء ) : مصدر لمحذوف ، أي : يجازون جزاء ، أو علة ، أي : للجزاء بما كسبوا .
يقول الحق جل جلاله :
يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ
يعنى : المنافقين ،
إِذا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ
من تبوك ،
قُلْ
لهم :
لا تَعْتَذِرُوا
بالمعاذير الكاذبة ؛ لأنه
لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ
أي : لن نصدقكم فيها ؛ لأنه
قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبارِكُمْ
؛ أعلمنا بالوحي ، على لسان نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم ، ببعض أخباركم ، وهو ما في ضمائركم من الشر والفساد .
وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ
: هل تتوبون من الكفر ، أم تثبتون عليه ؟ وكأنه استتابة وإمهال للتوبة ،
ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ
وهو اللّه ، والأصل : ثم تردون إليه ؛ فوضع هذا الوصف موضع الضمير ؛ للدلالة على أنه مطلع على سرهم وعلانيتهم ، لا يعزب عن علمه شئ من ضمائرهم وأعمالهم ،
فَيُنَبِّئُكُمْ
أي : يخبركم
بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
؛ بالتوبيخ والعقاب عليه .
سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ
من غزوكم ؛
لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ
أي : عن عتابهم ،
فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ
؛ لا توبخوهم ؛
إِنَّهُمْ رِجْسٌ
؛ لخبث قلوبهم لا ينفع فيهم التأنيب ، فإن المقصود من العتاب : التطهير بالحمل على الإنابة ، وهؤلاء أرجاس لا تقبل التطهير ، فهو علة للإعراض وترك المعاتبة ،
وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ
أي : منقلبهم إليها ، والمعنى : أن النار كفتهم عتابا ، فلا تتكلفوا عتابهم ، وذلك
جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ
من الكفر والنفاق .
يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ
بحلفهم ، فتستديموا عليهم ما كنتم تفعلون بهم من الستر والإرفاق ، وإشراكهم في الغنائم ،
فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ
بذلك
فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ
أي : فإن رضاكم لا يستلزم رضى اللّه ، ورضاكم وحدكم لا ينفعهم إذا كانوا في سخط اللّه وبصدد عقابه ، أو إن أمكنهم أن يلبسوا عليكم لا يمكنهم أن يلبسوا على اللّه ؛ فإنه يهتك سترهم وينزل الهوان بهم . والمقصود من الآية : النهى عن الرضا عنهم والاغترار بمعاذيرهم ، بعد الأمر بالإعراض عنهم وعدم الالتفات نحوهم . قاله البيضاوي .
الإشارة : قد يظهر لهذه الطائفة منافقون ، إذا ظهر على أهل اللّه عز أو نصر جاءوا يعتذرون عن تخلفهم عنه ، ويحلفون أنهم على محبتهم ؛ فلا ينبغي الاغترار بشأنهم ، ولا مواجهتهم بالعتاب ؛ بل الواجب الإعراض عنهم والغيبة في اللّه عنهم ، فسيرى اللّه عملهم ورسوله ، ثم يردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبؤهم بما كانوا يعملون .