تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 41

مساهمون:

ص٤١
لفظا أو تأويلا :
يَقُولُونَ
: أي : الذين لم يأتوا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وهم يهود خيبر :
إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ
أي : إن أوتيتم هذا المحرّف وأفتاكم محمد بما يوافقه فخذوه ،
وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ
بأن أفتاكم بغيره
فَاحْذَرُوا
أن تقبلوا منه . وسبب نزولها : أن شريفا من يهود خيبر زنى بشريفة منهم ، وكانا محصنين ، وكرهوا رجمهما ، فأرسلوا مع رهط منهم إلى بني قريظة ليسألوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وقالوا لهم : إن أمركم بالجلّد والتّحميم « 1 » فاقبلوا ، وإن أمركم بالرّجم فاحذروا أن تقبلوه منه ، فأتوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بالزّانيين ، ومعهما ابن صوريا ، فاستفتوه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقال لابن صوريا : أنشدك اللّه الذي لا إله إلا هو ، الذي فلق البحر لموسى ، ورفع فوقكم الطور ، وأنجاكم وأغرق آل فرعون ، والذي أنزل عليكم كتابه ، وأحلّ حلاله وحرّم حرامه ، هل تجد فيه الرّجم على من أحصن ؟ فقال : نعم ، فوثبوا عليه ، فقال : خفت إن كذبته أن ينزل علينا العذاب ، فأمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بالزّانيين فرجما عند باب المسجد ، وفي رواية : دعاهم إلى التوراة فأتوا بها ، فوضع ابن صوريا يده على آية الرجم ، وقرأ ما حولها ، فقال له عبد اللّه بن سلام : ارفع يدك ، فإذا آية الرجم تلوح ، فرجما . وفي القصة اضطراب كثير . ولعل القضية تعددت . قال تعالى :
وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ
أي : ضلالته أو فضيحته ،
فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً
أي : تقدر على دفعها عنه ،
أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ
من الكفر والشرك ،
لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ
أي : هوان وذل ؛ بضرب الجزية والخوف من المؤمنين ،
وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ
وهو الخلود في النيران . هم
سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ
، كرر للتأكيد ، وليرتب عليه قوله :
أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ
أي : الحرام ، كالرشا وغيرها ، وسمى سحتا ؛ لأنه يسحت البركة ويستأصل المال ، كما قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « من جمع المال من نهاوش أذهبه اللّه في نهابر » « 2 » . ثم خيّر نبيه - عليه الصلاة والسّلام - في الحكم بينهم ، فقال :
فَإِنْ جاؤُكَ
متحاكمين إليك
فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ
، وقيل : نسخ بقوله :
وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ
« 3 » . والجمهور : أن ما كان من باب التظالم والتعدي فإن الحاكم يتعرض بهم ويبحث عنه ، وأما النوازل التي لا ظلم فيها ، وإنما هي دعاوى ، فإن رضوا بحكمنا فالإمام مخير ، وإن لم يرضوا فلا نتعرض لهم ، انظر ابن عطية ، وقال البيضاوي : ولو تحاكم كتابيان إلى القاضي لم يجب عليه الحكم ، وهو قول الشافعي ، والأصح : وجوبه ؛ إذا كان المترافعان أو أحدهما ذميا ، لأنا التزمنا الذب عنهم ، ومذهب أبي حنيفة : يجب مطلقا . ه .
وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً
؛ لأن اللّه عصمك من الناس ،
وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ
أي : العدل الذي أمر اللّه به
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ
، فيحفظهم ويعظم شأنهم .
وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ
وهم لا يؤمنون بك ،
وَعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللَّهِ
أي : والحال أن الحكم منصوص عليه في الكتاب الذي هو عندهم
ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ
، أو ثم يتولون عن حكمك
هامش
( 1 ) التحميم : تسويد الوجه بالفحم . ( 2 ) النهاوش : المظالم . والنهابر : المهالك والأمور المتبددة . ( 3 ) من الآية 49 من السورة