وَما نَقَمُوا
أي : وما عابوا وكرهوا
إِلَّا أَنْ أَغْناهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ
الذي حقهم أن يشكروا عليه ، وذلك أن أكثر أهل المدينة كانوا محاويج ، في ضنك من العيش ، فلما قدمهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم استغنوا بالغنائم ، وقتل للجلاس مولى ، فأمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بديته اثنى عشر ألفا ، فأعطيت له ، فاستغنى .
فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْراً لَهُمْ
، وهذا حمل الجلاس على التوبة ، والضمير يعود على الرجوع المفهوم من التوبة ،
وَإِنْ يَتَوَلَّوْا
عنك ؛ بالإصرار على النفاق ،
يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذاباً أَلِيماً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ
؛ بالقتل والنار ،
وَما لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ
ينجيهم من العذاب .
الإشارة : كفار الخصوصية على قسمين : قسم أظهروا الإنكار على أهلها ، وقسم أبطنوه وأظهروا الوفاق ، ففيهم شبه بأهل النفاق ، فينبغي الإعراض عن الجميع ، والاشتغال بالله عنهم ، وهو جهادهم والإغلاظ عليهم ، فعداوة العدو حقا هو اشتغالك بمحبة الحبيب حقا . وقد تصدر عنهم في جانب أهل الخصوصية مقالات ثم ينكرونها ، وقد يهمّوا بما لم ينالوا من إذايتهم وقتلهم ، لو قدروا . واللّه يتولى الصالحين .
ونزل في ثعلبة بن حاطب ، قوله تعالى :
[ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 75 إلى 78 ]
وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ ( 75 ) فَلَمَّا آتاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ ( 76 ) فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِما أَخْلَفُوا اللَّهَ ما وَعَدُوهُ وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ ( 77 ) أَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ ( 78 )
يقول الحق جل جلاله :
وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ
وقال :
لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ
، وهو ثعلبة بن حاطب ، أتى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وقال : ادع اللّه أن يرزقني مالا . فقال له النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « يا ثعلبة ، قليل تؤدى شكره خير من كثير لا تطيقه » . فراجعه ، وقال : والذي بعثك بالحق ، لئن رزقني اللّه مالا لأعطين كلّ ذي حقّ حقّه ، فدعا له ، فاتخذ غنما ، فنمت كما تنمو الدود ، حتى ضاقت بها المدينة ، فنزل واديا ، وانقطع عن الجماعة والجمعة ، فسأل عنه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقيل : كثر ماله حتى لا يسعه واد ، فقال : « يا ويح ثعلبة » . فبعث له مصدقين لأخذ الصدقات ؛ فاستقبلهما الناس بصدقاتهم ، ومروا بثعلبة فسألاه الصدقة ، وأقرآه الكتاب الذي فيه الفرائض ، فقال : ما هذه صدقة ، ما هذه إلا أخت الجزية ، فارجعا حتى أرى رأيي ، فنزلت فيه الآية ، فجاء ثعلبة بالصدقة ، فقال : إن اللّه منعني أن أقبل منك ، فجعل يحثو التراب على رأسه ، فقال له صلّى اللّه عليه وسلّم : « هذا منك ؛ فقد أمرتك فلم