تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 348

مساهمون:

ص٣٤٨
رضى اللّه عنه : اضرب أعناقهم ، فإنهم أئمّة الكفر ، وإنّ اللّه أغناك عن الفداء ، فمكّنى من فلان - لنسيب له - ومكّن عليّا وحمزة من أخويهما ، فلنضرب أعناقهم ، فلم يهو ذلك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وقال : « إنّ اللّه ليلين قلوب رجال حتّى تكون ألين من كل لين ، وإنّ اللّه ليشدّد قلوب رجال حتّى تكون أشدّ من الحجارة ، وإن مثلك يا أبا بكر مثل إبراهيم ، قال :
فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
« 1 » ، ومثلك يا عمر مثل نوح ، قال :
رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً
» « 2 » . فخيّر أصحابه ، فأخذوا الفداء ، فنزلت ، فدخل عمر رضى اللّه عنه على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فإذا هو وأبو بكر يبكيان ، فقال : يا رسول اللّه : أخبرني ، فإن أجد بكاء بكيت ، وإلا تباكيت ؟ فقال : « أبكى على أصحابك في أخذهم الفداء ، ولقد عرض علىّ عذابهم أدنى من هذه الشجرة » « 3 » لشجرة قريبة . والآية دليل على أن الأنبياء - عليهم السلام - يجتهدون ، وإنه قد يكون الخطأ ، ولكن لا يقرون عليه . قاله البيضاوي . قال القشيري : أخذ النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يوم بدر منهم الفداء ، وكان ذلك جائزا لوجوب العصمة ، ولكن لو قتلهم كان أولى . ه . وقال ابن عطية : إنما توجه العتاب للصحابة على استبقاء الرجال دون قتلهم ، لا على الفداء ؛ لأن اللّه تعالى قد كان خيّرهم ، فاختاروا الفداء على أن يقتل منهم سبعين ، كما تقدم في سورة آل عمران « 4 » . ثم قال : والنبي عليه الصلاة والسلام خارج عن ذلك الاستبقاء . انظر تمامه في الحاشية . فإن قلت : إذا كان الحق تعالى خيّرهم فكيف عاتبهم ، وهم لم يرتكبوا محظورا ؟ فالجواب : أن العتاب تابع لعلو المقام ، فالخواص يعاتبون على المباح ، إن كان فعله مرجوحا ، والحق تعالى إنما عاتبهم على رغبتهم في أمر دنيوي ، وهو الفداء ، حتى آثروا قتل أنفسهم على أخذه ، ويدل عليه قوله :
تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا
، وهذا إنما كان في بعضهم ، وجلهم إنما اختاروا الفداء استبقاء لقرابة الرسول عليه الصلاة والسلام . واللّه تعالى أعلم . ثم قال تعالى في تمام عتابهم :
لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ
أي : لولا حكم اللّه سبق إثباته في اللوح المحفوظ ، وهو ألا يعاقب المخطئ في اجتهاده ، أو أنه سيحل لكم الغنائم ، أو ما سبق في الأزل من العفو عنكم ،
لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ
؛ من الفداء أو من الأسارى ،
عَذابٌ عَظِيمٌ
. روى أنه عليه الصلاة والسلام قال ، حين نزلت : « لو نزل العذاب ما نجا منه غير عمر وسعد بن معاذ » ؛ وذلك لأنه أيضا أشار بالإثخان .
هامش
( 1 ) الآية 36 من سورة إبراهيم . ( 2 ) الآية 26 من سورة نوح . ( 3 ) أخرجه أحمد في المسند ( 1 / 383 ) والترمذي ببعض الاختصار في ( تفسير سورة الأنفال ) والحاكم وصححه ووافقه الذهبي في ( المغازي ، 3 / 21 ) وكذلك أخرجه البيهقي في الدلائل ( 3 / 138 ) كلهم عن ابن مسعود . وأخرجه بنحوه مسلم في ( الجهاد - باب الإمداد بالملائكة ) من حديث ابن عباس عن سيدنا عمر - رضى اللّه عن الجميع . ( 4 ) عند تفسير قوله تعالى : ( أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا ) الآية 165 .