تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 288

مساهمون:

ص٢٨٨
وهو أن يلقى في أوهامهم أنهم على شيء ، وليسوا كذلك ، يستدرجهم في ذلك شيئا فشيئا ، حتى يأخذهم بغتة ، كما قال تعالى :
فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ
؛ إشارة إلى مخالفتهم وعصيانهم ، بعد ما رأوا من الشدة ،
فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ
أي : فتحنا عليهم أسباب العوافي وأبواب الرفاهية ،
حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا
من الحظوظ الدنيوية ، ولم يشكروا عليها برجوعهم منها إلينا ،
أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً
أي : فجأة ،
فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ
« 1 » ؛ آيسون قانطون من الرحمة . ه . ثم ندبهم إلى التفكر ، فقال :

[ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 184 إلى 186 ]

أَ وَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ ( 184 ) أَ وَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ ( 185 ) مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ ( 186 ) قلت : ( وما خلق ) : عطف على ( ملكوت ) ، و ( أن عسى ) : مخففة ، و ( أن يكون ) : مصدرية ، أو عطف على ( ملكوت ) أيضا . يقول الحق جل جلاله :
أَ وَلَمْ يَتَفَكَّرُوا
في أمر محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ؛ حتى يتحققوا أنه
ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ
؛ يعنى : نبينا محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم . روى أنه صلّى اللّه عليه وسلّم لما أمر بالإنذار صعد الصّفا ، فدعاهم ، فخذا فخذا ، يحذّرهم بأس اللّه تعالى ، فقال قائلهم : إن صاحبكم لمجنون ، بات يصوت إلى الصباح ، فنزلت « 2 » .
إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ
أي : بيّن الإنذار واضح أمره ، لا يخفى على ناظر .
أَ وَلَمْ يَنْظُرُوا
« 3 » نظر استدلال
فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
أي : في عظمتهما وما اشتملتا عليه من العجائب ،
وَما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ
أي : وينظروا فيما خلق اللّه من شئ من الأجناس التي لا يمكن حصرها ، لتدلهم على كمال قدرة صانعها ووحدة مبدعها ، وعظم شأن مالكها ومتولى أمرها ، ليظهر لهم صحة ما يدعوهم إليه .
وَأَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ
أي : أو لم ينظروا أيضا في اقتراب أجلهم وتوقع حلول الموت بهم ، فيسارعوا إلى طلب الحق ، والتوجه إلى ما ينجيهم من عذابه ، قبل مفاجأة الموت ونزول العذاب .
فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ
أي : بعد القرآن ،
يُؤْمِنُونَ
إن لم يؤمنوا به ، وهو النهاية في البيان ؟ كأنه إخبار عنهم بالطبع
هامش
( 1 ) الآية 44 من سورة الأنعام . ( 2 ) أخرجه الطبري في التفسير ، ( 9 / 136 ) بإسناد صحيح إلى قتادة . ( 3 ) إلى هنا ينتهى السقط الموجود في المخطوطة الأصلية .