تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 254

مساهمون:

ص٢٥٤
وهؤلاء القوم ، قيل : هم الجبارون الذين أمر موسى بقتالهم بعد وصوله إلى الشام ، ولما رآهم بنو إسرائيل
قالُوا يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً
أي : مثالا نعبده
كَما لَهُمْ آلِهَةٌ
يعبدونها ،
قالَ
لهم موسى عليه السّلام :
إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ
، وصفهم بالجهل المطلق ، وأكده بأن ؛ لبعد ما صدر منهم ، بعد ما رأوا من الآيات الكبرى . قال البيضاوي : ذكر ما أحدثه بنو إسرائيل من الأمور الشنيعة بعد أن منّ اللّه تعالى عليهم بالنعم الجسام ، وآراهم من الآيات العظام ، تسلية لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عما كان يرى منهم ويلقى من التشغيب ، وإيقاظا للمؤمنين حتى لا يغفلوا عن محاسبة أنفسهم ومراقبة أحوالهم . ه . وذكر في « القوت » أن يهوديا قال لعلي رضى اللّه عنه : كيف اختلفتم وضربتم وجوه بعضكم بالسيف ، ونبيكم قريب عهد بكم ؟ فقال : أنتم لم تجف أقدامكم من ماء البحر حتى قلتم :
اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ
. ه . ثم قال لهم موسى عليه السّلام :
إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ
: مدمر هالك
ما هُمْ فِيهِ
يعنى : أن اللّه تعالى يهدم دينهم الذي هم فيه ، ويحطم أصنامهم ويجعلها رضاضا .
وَباطِلٌ
: مضمحل
ما كانُوا يَعْمَلُونَ
من عبادتها ، وإن قصدوا بها التقرب إلى اللّه تعالى ، وإنما بالغ في هذا الكلام تنفيرا وتحذيرا عما طلبوا .
قالَ أَ غَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ
أطلب لكم
إِلهاً
أي : معبودا
وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ
أي : والحال أنه قد خصكم بنعم لم يعطها غيركم ، وفيه تنبيه على سوء مقابلتهم حيث قابلوا تخصيص اللّه لهم بما استحقوه تفضلا ، بأن قصدوا أن يشركوا به أخس شئ من مخلوقاته وأبلده ، وهو البقر .
وَإِذْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ
أي : ، واذكروا صنعه معكم في هذا الوقت حيث نجاكم من فرعون ورهطه
يَسُومُونَكُمْ
أي : يذيقونكم
سُوءَ الْعَذابِ
، ثم بيّنه بقوله :
يُقَتِّلُونَ أَبْناءَكُمْ
ذكوركم
وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ
أي : بناتكم ،
وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ
أي : وفي ذلك القتل امتحان عظيم ، أو في ذلك الإنجاء نعمة عظيمة وامتنان عظيم . الإشارة : من جاوز بحر التوحيد وحاد عنه ، ولم يغرق فيه ، لا يخلو من طلب شرك جلى أو خفى ؛ لأن النفس ما دامت لم تغرق في بحر الوحدة ، ولم تسبها جمال المعاني ، قطعا تميل إلى شئ من جمال الحس ، لأن الروح في أصلها عشاقة ، إن لم تعشق جمال الحضرة تعشق جمال الحس ، ومن ركن إلى شئ مما سوى اللّه فهو شرك عند الموحدين من المحققين ، ويؤخذ من الآية أن شكر النعم هو تلخيص التوحيد ، وانفراد الوجهة إلى اللّه تعالى ؛ لأن بني إسرائيل لمّا أنعم اللّه عليهم بالإنجاء وفلق البحر قابلوا ذلك بطلب الشرك ، فسقطو من عين اللّه واستمر ذلهم إلى يوم القيامة . واللّه تعالى أعلم .