تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 231

مساهمون:

ص٢٣١
عقاب اللّه ، ثم ذكرهم بإنعامه ؛
وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً
أي : قامة وقوة ، فكانوا عظام الأجساد ، فكان أصغرهم : ستين ذراعا ، وأطولهم : مائة ذراع .
فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ
أي : نعمه ، تعميم بعد تخصيص ،
لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
أي : لكي يفضى بكم ذكر النعم إلى شكرها المؤدى إلى الفلاح ، ومن شكرها : الإيمان برسولهم .
قالُوا أَ جِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا
من الأصنام ، استبعدوا اختصاص اللّه بالعبادة والإعراض عما وجدوا عليه آباءهم ؛ انهماكا في التقليد ، وحبا لما ألفوه مع اعترافهم بالربوبية ، ولذلك قال لهم هود عليه السّلام :
قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ
، بعد أن قالوا :
فَأْتِنا بِما تَعِدُنا
من العذاب
إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ
فيه .
قالَ قَدْ وَقَعَ
أي : وجب
عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ
؛ عذاب
وَغَضَبٌ
إرادة الانتقام ،
أَ تُجادِلُونَنِي فِي أَسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ
أي : أتجادلونني في عبادة مسميات أسماء ، ففي الكلام حذف . وأراد بقوله :
سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ
أي : جعلتم لها أسماء ، فدل ذلك على أنها محدثة ، فلا يصح أن تكون آلهة ، أو سميتموها آلهة من غير دليل ، وهو معنى قوله :
ما نَزَّلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ
أي : حجة تدل على استحقاقها للعبادة ، فالمجادلة يحتمل أن تكون في عبادتها ، أو في تسميتها آلهة ، والمراد بالاسم - على الأول - المسمى ، وعلى الثاني : التسمية . . قاله ابن جزى .
فَانْتَظِرُوا
نزول العذاب ، الذي طلبتم حين أصررتم على العناد ،
إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ
نزوله . قال تعالى :
فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا
عليهم . قال القشيري : لا رتبة فوق رتبة النبوة ، ولا درجة أعلى من درجة الرسالة ، وقد أخبر سبحانه : أنه نجىّ هودا برحمته ، وكذا نجىّ الذين آمنوا معه برحمته ، ليعلم أن النجاة لا تكون باستحقاق العمل ، وإنما تكون ابتداء فضل من اللّه ورحمة ، فما نجا من نجا إلا بفضل اللّه سبحانه وتعالى . ه .
وَقَطَعْنا دابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا
أي : استأصلناهم ،
وَما كانُوا مُؤْمِنِينَ
، تعريض بمن آمن منهم ، وتنبيه على أن الفارق بين من نجا وبين من هلك : هو الإيمان . روى أنهم كانوا يعبدون الأصنام ، فبعث اللّه إليهم هودا فكذبوه ، وزادوا عتوا ، فأمسك اللّه عنهم المطر ثلاث سنين حتى جهدهم ، وكان الناس حينئذ ، مسلمهم ومشركهم ، إذا نزل بهم بلاء توجهوا إلى البيت الحرام وطلبوا من اللّه الفرج ، فجهزوا إليه « قيل بن عنز » ، ومرثد بن سعد ، في سبعين من أعيانهم ، وكان إذ ذاك بمكة العمالقة ؛ أولاد عمليق بن لاود بن سام ، وسيدهم : معاوية بن بكر ، فلما قدموا عليه ، وهو بظاهر مكة ، أنزلهم وأكرمهم ، وكانوا أخواله وأصهاره ، فلبثوا عنده شهرا يشربون الخمر ، وتغنى عليهم الجرادتان - قينتان له - فلما رأى ذهولهم عما
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 231 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان