هذه الحضرة ( قالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدى لولا أن هدانا اللّه ) ، تحققوا أنهم محمولون بسابق العناية ، محفوفون بعين الرعاية ، فتحققوا بما جاءت به الرسل من عند اللّه ، وما نالوه على يد أولياء اللّه من الذوق والوجدان ، وكشف الغطاء عن عين العيان ، منحنا اللّه من ذلك حظا وافرا ، بمنّه وكرمه .
ثم ذكر تبجح أهل الجنة على أهل النار ، فقال :
[ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 44 إلى 47 ]
وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ( 44 ) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كافِرُونَ ( 45 ) وَبَيْنَهُما حِجابٌ وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيماهُمْ وَنادَوْا أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوها وَهُمْ يَطْمَعُونَ ( 46 ) وَإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ تِلْقاءَ أَصْحابِ النَّارِ قالُوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ( 47 )
قلت : ( أن ) : في هذه المواضع : مخففة من الثقيلة ، أو : تفسيرية ، وحذف مفعول : ( وعد ) الثاني ؛ استغناء بمفعول وعد الأول ، أو لإطلاق الوعد ، فيتناول الثواب والعقاب .
يقول الحق جل جلاله :
وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا
من النعيم
حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ
أنتم
ما وَعَدَ رَبُّكُمْ
من البعث والحساب
حَقًّا
، إنما قال أهل الجنة ذلك ؛ تبجحا بحالهم ، وشماتة بأصحاب النار ، وتحسيرا لهم ، فأجابهم أهل النار بقولهم :
نَعَمْ
، قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا ،
فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ
بين الفريقين :
أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ
؛ الكافرين ،
الَّذِينَ يَصُدُّونَ
الناس
عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ
وهي الإسلام ،
وَيَبْغُونَها
أي : يطلبون لها
عِوَجاً
؛ زيغا وميلا عما هو عليه من الاستقامة ، أو يطلبونها أن تكون ذات عوج ،
وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كافِرُونَ
أي : جاحدون .
وَبَيْنَهُما
أي : بين الفريقين
حِجابٌ
، أو بين الجنة والنار حجاب ، يمنع دخول أثر أحدهما للأخرى ،
وَعَلَى الْأَعْرافِ
؛ وهو السور المضروب بين الجنة والنار ،
رِجالٌ
؛ طائفة من الموحدين استوت حسناتهم وسيئاتهم ، كما في الحديث . وقال في الإحياء : يشبه أن يكونوا من لم تبلغهم الدعوة في أطراف البلاد ، فلم تكن لهم معرفة ولا جحود ولا طاعة ولا معصية ، فلا وسيلة تقربهم ، ولا جناية تبعدهم ، ولهم السلامة فقط ، لا تقريب ولا تبعيد . ه . قلت : لكن سيأتي أنهم يدخلون الجنة .