تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 212

مساهمون:

ص٢١٢
قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ
؛ وهي ما تزايد قبحها من المعاصي ، وقيل : ما يتعلق بالفروج ،
ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ
أي : جهرها وسرها ، أو ما يتعلق بالجوارح الظاهرة والعوالم الباطنية وهي القلوب ،
وَالْإِثْمَ
؛ كقطع الرحم ، أو عام في كل ذنب ،
وَالْبَغْيَ
؛ وهو الظلم ؛ كقطع الطريق والغصب ، وغير ذلك من ظلم العباد ، أو التكبر على عباد اللّه ؛ وقوله :
بِغَيْرِ الْحَقِّ
: تأكيد له في المعنى .
وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً
أي : حجة على استحقاق العبادة ، وهو تهكم بالمشركين ، وتنبيه على تحريم ما لم يدل عليه برهان .
وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ
من الإلحاد في صفاته ، والافتراء عليه ؛ كقولهم :
اللَّهُ أَمَرَنا
« 1 » ، و
لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا
« 2 » .
وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ
أي : مدة ووقت لنزول العذاب بها إن لم يؤمنوا ، وهو تهديد لأهل مكة ،
فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ
أي : انقرضت مدتهم ، أو دنى وقت هلاكهم ،
لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً
عنه
وَلا يَسْتَقْدِمُونَ
أي : لا يتأخرون ولا يتقدمون عنه أقصر وقت ، أو لا يطيقون التقدم والتأخر لشدة الهول ، وجعل بعضهم : ( ولا يستقدمون ) استئنافا ؛ لأن الأجل إذا جاء لا يتصور التقدم ، وحينئذ يوقف على :
ساعَةً
، ثم يقول : ولا هم يستقدمون عنه قبل وصوله . الإشارة : قال شيخنا البوزيدى رضى اللّه عنه : زينة اللّه التي أظهر لعباده هي لباس المعرفة ، وهو نور التجلي ، والطيبات من الرزق هي حلاوة الشهود . ه . وهي لمن كمل إيمانه وصدقه في الحياة الدنيا ، وتصفو له إلى يوم القيامة ، فهي حلال على أهل التجريد ؛ يتمتعون بها في الدارين ، وإنما حرّم عليهم ما يشغلهم عن ربهم من جهة الظاهر ، وما يقطعهم عن شهوده من جهة الباطن ، وسوء الأدب مع اللّه ، والتعرض لعباد اللّه ، والشرك بالله ؛ بأن يشهدوا معه سواه ، وأن يقولوا على اللّه ما يوهم نقصا أو خللا في أنوار جماله وسناه . واللّه تعالى أعلم . ثم إن العباد والزهاد وأهل البداية من المريدين السائرين - ينبغي لهم أن يزهدوا في زينة الدنيا وطيباتها ؛ لئلا تركن إليها نفوسهم ، فيثبط سيرهم ، وأما الواصلون فهم مع اللّه ، لا مع شئ سواه ، يأخذون من اللّه بالله ، ويدفعون بالله ، وقد اتسعت دائرة علمهم ، فليسوا مع لباس ولا أكل ولا شرب ولا جوع ولا شبع ، هم مع ما يبرز في الوقت من المقدورات . واللّه تعالى أعلم .
هامش
( 1 ) من الآية 28 من سورة الأعراف . ( 2 ) من الآية 148 من سورة الأنعام .