تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 211

مساهمون:

ص٢١١
للملك ، وتزيين البواطن بالمحبة والوداد أحسن من تزيين الظواهر وخراب البواطن ؛ « إنّ اللّه لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم ، وإنّما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم » « 1 » . وملاقاة الملك بالذل والانكسار أحسن من ملاقاته بالتكبر والاستظهار . واللّه تعالى أعلم . ولما تعاهدت قريش ، ومن دان دينها ، أنهم لا يأكلون أيام الحج دسما ولا سمنا ولا أقطا ولا طعاما جاء من الحل ، ردّ اللّه عليهم بقوله :

[ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 32 إلى 34 ]

قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ( 32 ) قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ( 33 ) وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ ( 34 ) قلت : من قرأ : ( خالصة ) ؛ بالرفع ، فخبر بعد خبر ، أو خبر عن مضمر ، ومن قرأ بالنصب ، فحال . يقول الحق جل جلاله :
قُلْ
لهم :
مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ
؛ وهي ما يتجمل به من الثياب وغيرها ،
الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ
من النبات ؛ كالقطن والكتان ، أو الحيوان ؛ كالحرير والصوف والوبر ، والمعادن ؛ كالدروع والحلي ،
وَ
قل أيضا : من حرم
الطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ
أي : المستلذات من المآكل والمشارب ، ويدخل فيها المناكح ؛ إذ هي من أعظم الطيبات . وفيه دليل على أن الأصل في المطاعم والملابس وأنواع التجملات : الإباحة ؛ لأن الاستفهام للإنكار ، وبه رد مالك - رحمه اللّه - على من أنكر عليه من الصوفية ، وقال له : اتق اللّه يا مالك ؛ بلغني أنك تلبس الرقيق ، وتأكل الرقاق ، فكتب إليه بالآية . قال تعالى :
قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا
، ويشاركهم فيها الكفار ، ويوم القيامة تكون
خالِصَةً
لهم دون غيرهم .
كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ
أي : كتفصيلنا هذا الحكم نفصل سائر الأحكام
لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ
فينزلونها في محلها بخلاف الجهال .
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم في ( البر والصلة ، باب تحريم ظلم المسلم وخذله واحتقاره ) من حديث أبي هريرة رضى اللّه عنه .