تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 193

مساهمون:

ص١٩٣
الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ
« 1 » وأخذوا من الزكاة : زكاة نفوسهم بالرياضة والتأديب وإضافة الكل إليه . ( العبد وما كسب لسيده ) ، مع أداء الزكاة الشرعية لمن وجبت عليه . وكان الشيخ أبو العباس السبتي رضى اللّه عنه يعطى تسعة أعشار زرعه ، ويمسك العشر لنفسه . وأخذوا من الصيام : صيام الجوارح كلها ، مع صيام القلب عن شهود السّوى . وأخذوا من الحج : حج القلوب إلى حضرة علام الغيوب ، فالكعبة تشتاق إليهم وتطوف بهم ، كما تقدم في آل عمران . ومن الجهاد : الجهاد الأكبر ، وهو جهاد النفوس ، وهكذا مراسم الشريعة كلها عندهم صافية خالصة من الشوائب ، بخلاف غيرهم ، فلم يأخذ منها إلا قشرها الظاهر وعمل الأشباح ، فهي صور قائمة لا روح فيها ؛ لعدم الإخلاص والحضور فيها . واللّه تعالى أعلم . ثم بيّن مقام الإخلاص ، فقال :

[ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 162 إلى 164 ]

قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 162 ) لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ( 163 ) قُلْ أَ غَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ( 164 ) قلت : ( ربّا ) : حال من ( غير ) . يقول الحق جل جلاله :
قُلْ
لهم يا محمد :
إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي
أي : عبادتي كلها ، وقرباتى أو حجى ،
وَمَحْيايَ وَمَماتِي
أي : وعملي في حياتي ، وعند موتى من الإيمان والطاعة ، أو الحياة والممات أنفسهما ،
لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ، لا شَرِيكَ لَهُ
أي : هي خالصة لله لا أشرك فيها غيره ،
وَبِذلِكَ
أي : بذلك القول والإخلاص ، أمرني ربى ،
وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ
؛ لأن إسلام كل نبي متقدم على إسلام أمته
قُلْ
لهم :
أَ غَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا
فأشرك مع اللّه ،
وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ
؛ لأن كل شئ مربوب لا يصلح للربوبية . وهو جواب عن دعائهم له إلى عبادة آلهتهم .
وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ
من شرك أو غيره
إِلَّا عَلَيْها
وزره ، فلا ينفعني ضمانكم وكفالتكم من عقاب ربى ، وهو رد على الكفار حيث قالوا له : اعبد آلهتنا ونحن نتكفل لك بكل تباعة تتوقعها في دنياك وأخراك ، ثم أوضح ذلك بقوله :
وَلا تَزِرُ
أي : تحمل نفس
وازِرَةٌ
أي : آثمة
وِزْرَ
نفس
أُخْرى
أي : لا يحمل أحد ذنوب أحد ،
ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ
بالبعث والحساب ،
فَيُنَبِّئُكُمْ
، أي : يخبركم
بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ
من أمر الدين ؛ فيبين الرشد من الغى ، والمحق من المبطل . الإشارة : الإخلاص سر من أسرار اللّه ، يودعه قلب من أحب من عباده ، وهو إخلاص العبودية لله وحده ، ولا يتحقق ذلك للعبد إلا بعد تحرره من رق الهوى وخروجه من سجن وجود نفسه ، وهذا شئ عزيز . ولذلك قيل
هامش
( 1 ) الآية 2 من سورة المؤمنون .