تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 171

مساهمون:

ص١٧١
كقول عيسى عليه السّلام :
وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
« 1 » ، وكقول إبراهيم عليه السّلام :
وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئاً
« 2 » الآية ، وكقوله :
وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
« 3 » ، وكقول شعيب عليه السّلام :
وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا
« 4 » وكاستغفار نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم للمنافقين قبل نزول النهى ، وبعد نزوله ،
إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً . . .
« 5 » الآية . وكقوله ، يوم بدر : « إن تهلك هذه العصابة لن تعبد » ، مع تقدم الوعد بالنصر ، وكخوف موسى بعد قوله :
لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما . . .
« 6 » الآية . ومنه : خوف الأكابر بعد تأمينهم ؛ لأن ظاهر الوعد والوعيد لا يقضى على باطن المشيئة والعلم ، ومثله يجرى في سورة هود في قوله :
إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ
« 7 » ، وفي سورة يوسف :
وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا
« 8 » بالتخفيف ، وغير ذلك مما ورد في الكتاب والسنة ، وانظر الورتجبي . فقد انفرد بمقالة ، بعد حكاية اتفاق مذاهب المسلمين جميعا على عدم غفران الشرك ، ولكن قول عيسى عليه السّلام :
وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ . . .
الآية ، يشير إلى ما أشار إليه ابن عباس وابن مسعود في قوله تعالى :
خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ
قال « 9 » : تؤمر النار أن تأكلهم وتفنيهم ، ثم يجدد خلقهم ، ويرجى من كرم اللّه ولطفه إدخالهم بعد ذلك الجنة ، قال : وهذا مرجو ، ليس بمعتقد أهل السنة . ه . قال في الحاشية : وهو يرجع عند التحقيق إلى طرح الأسباب وعدم الوقوف معها ، نظرا إلى أن الحق تعالى لا يتقيد في وعيد ولا وعد ، فمن غلبه النظر إليه ، سرى إليه الرجاء في عين التخويف ، كما أنه يسرى الخوف في عين الرجاء ، لكونه اقتطع من الوقوف مع خصوص وصف ، ولما كانت تلك الحالة هي عين الأدب اللائق بالعبودية مع اللّه تعالى أرشد تعالى إليها بقوله :
إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ
،
إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ
، وهو حال أهل الحقيقة ، والوقوف مع خصوص الوعد أو الوعيد حال أهل الشريعة . انتهى ببعض اختصار . وقد رد الثعالبي هذه المقالة التي حكاها الورتجبي . ثم وبخهم على عدم الإيمان بالرسل ، فقال :

[ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 130 إلى 134 ]

يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَ لَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا قالُوا شَهِدْنا عَلى أَنْفُسِنا وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ ( 130 ) ذلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها غافِلُونَ ( 131 ) وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ( 132 ) وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ ما يَشاءُ كَما أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ ( 133 ) إِنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ ( 134 )
هامش
( 1 ) الآية 118 من سورة المائدة . ( 2 ) الآية 80 من سورة الأنعام . ( 3 ) الآية 36 من سورة إبراهيم . ( 4 ) الآية 89 من سورة الأعراف . ( 5 ) الآية 80 من سورة التوبة . ( 6 ) الآية 46 من سورة طه . ( 7 ) من الآية 107 . ( 8 ) من الآية 110 ( 9 ) أي : الورتجبي .