يكون هذا منه ، قال أبو حيان : ويحتمل أن تكون حيث على بابها من الظرفية المجازية ، ويضمّن أعلم معنى يتعدى إلى الظرف ، والتقدير : اللّه أنفذ علما حيث يجعل رسالته . انظر المحشى .
يقول الحق جل جلاله :
وَإِذا جاءَتْهُمْ
أي : هؤلاء المجرمين الأكابر ،
آيَةٌ
نزلت على نبي ،
قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ
بها
حَتَّى نُؤْتى
من النبوة
مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ
، فنكون أنبياء مثلهم ، والقائل لهذه المقالة أبو جهل ، قال : تزاحمنا : بنو عبد مناف الشرف مع بني هاشم ، حتى إذا صرنا كفرسى رهان ، قالوا : منا نبي يوحى إليه ، واللّه لا نرضى به إلا أن يأتينا وحي كما يأتيه ، فنزلت الآية . وقيل : في الوليد بن المغيرة ، قال : أنا أولى بالنبوة من محمد « 1 » . فرد اللّه على من قال ذلك بقوله :
اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ
. فعلم أن محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم أهل للرسالة ، فخصه بها ، وعلم أنهم ليسوا بأهل لها ، فحرمهم إياها ، فإن النبوة ليست بمجرد النسب والمال ، وإنما هي بفضائل نفسانية يخصّ اللّه بها من يشاء من عباده ، بل بمحض الفضل والكرم ، فيجتبى لرسالته من علم أنه يصلح لها ، وهو أعلم بالمكان الذي فيه يضعها .
ثم ذكر وعيد المنكرين ، فقال :
سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغارٌ عِنْدَ اللَّهِ
أي : ذل وحقارة يوم القيامة ، بعد تكبرهم وارتفاعهم في الدنيا . روى « أنهم يبعثون في صورة الذّرّ ، يطؤهم الناس في المحشر » .
وَ
يصيبهم
عَذابٌ شَدِيدٌ بِما كانُوا يَمْكُرُونَ
أي : بسبب مكرهم ، أو جزاء مكرهم . كما تدين تدان .
الإشارة : ما حرم الناس من الخير إلا خصلتان : التكبر والحسد ، فمن طهر قلبه من الحسد ، وتواضع لكل أحد ، نال الرفعة والشرف عند اللّه في الدنيا والآخرة ، ولا يضع اللّه سر الخصوصية إلا في قلب طاهر متواضع ، يحط صاحبه رأسه لأقدام الرجال ، ويذل نفسه لأهل الصفاء والكمال ، وفي ذلك يقول الشاعر :
يا من يلوم خمرة المحبّة * قولوا له عنّى هي حلال
ومن يرد يسقى منها غبّا * خدّ يضع لأقدام الرجال
رأسي حططت بكلّ شيبه * هم الموالي سقونى زلال
فكما أن الحق تعالى علم حيث يجعل رسالته ، علم حيث يجعل سر ولايته ، وهي النفوس المتواضعة المتطهرة من رذائل النفوس ؛ كالحسد والكبر وسائر الأوصاف المذمومة .
هامش
( 1 ) ذكره البغوي في التفسير عن مقاتل .