تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 146

مساهمون:

ص١٤٦
ومن تقدم ، إلا من تاب ، كابن أبى سرح .
وَمَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ
كالذين قالوا :
لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا
« 1 » كالنضر بن الحارث وأشباهه .
وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ
من اليهود والكذابين والمستهزئين ، حين يكونون
فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ
: شدائده
وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ
لقبض أرواحهم ، أو بالضرب لوجوههم وأدبارهم ، قائلين لهم :
أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ
من أجسادكم ؛ تغليظا عليهم ،
الْيَوْمَ
وما بعده
تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ
أي : الهوان ، يريد العذاب المتضمن للشدة والهوان ، وإضافته للهوان لتمكنه فيه . وذلك العذاب
بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ
، كادعاء النبوة كذبا ، وادعاء الولد والشريك لله ،
وَكُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ
فلا تستمعون لها ، ولا تؤمنون بها ، فلو أبصرت حالهم ذلك الوقت لرأيت أمرا فظيعا وهولا شنيعا . يقول الحق سبحانه لهم :
وَلَقَدْ جِئْتُمُونا
للحساب والجزاء ،
فُرادى
. متفرّدين عن الأعوان والأوثان ، أو عن الأموال والأولاد ، وهذا أولى بقوله :
كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ
أي : على الهيئة التي ولدتم عليها من الانفراد والتجريد حفاة عزاة غرلا « 2 »
وَتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ
أي : تفضّلنا به عليكم من الدنيا فشغلتم به عن الآخرة ،
وَراءَ ظُهُورِكُمْ
، فلم تقدموا منه شيئا ، ولم تحملوا معكم منه نقيرا ،
وَما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ
أي : أصنامكم
الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ
أي : أنهم شركاء مع اللّه في ربوبيتكم واستحقاق عبادتكم ،
لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ
أي : تفرّق وصلكم وتشتت شملكم ،
وَضَلَّ
أي : غاب
عَنْكُمْ ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ
أنهم شفعاؤكم ، أو لا بعث ولا حساب لظهور كذبكم . الإشارة : كل من ادعى حالا أو مقاما ، يعلم من نفسه أنه لم يدركه ولم يتحقق به ، فالآية تجرّ ذيلها عليه . وفي قوله :
وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى . .
إلخ ، إشارة إلى أن الدخول على اللّه والوصول إلى حضرته ، لا يكون إلا بعد قطع العلائق والعوائق والشواغل كلها ، وتحقيق التجريد ظاهرا وباطنا ؛ إذا لا تتحقق الفردانية إلا بهذا . وقال الورتجبي : ولي هنا لطيفة أخرى ، أي : ولقد جئتمونا موحّدين بوحدانيتى ، شاهدين بشهادتى ، بوصف الكشف والخطاب ، كما جئتمونا من العدم في بدء الأمر ، حين عرّفتكم نفسي بقولي :
أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى
« 3 » ، بلا إشارة التشبيه وغلط التعطيل ، كما وصفهم نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم : « كلّ مولود يولد على الفطرة » ، يعنى : على
هامش
( 1 ) من الآية 31 من سورة الأنفال . ( 2 ) أي غير مختونين . ( 3 ) من الآية 172 من سورة الأعراف