تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 14

مساهمون:

ص١٤
ثم قال ، لمّا طلع قمر السّعادة في ملك الإرادة وأشرقت شمس الوصول على أفق الأصول :
تركت هوى ليلى وسعدى بمعزل * وملت إلى علياء أول منزل
فنادتنى الأوطان أهلا ومرحبا * ألا أيها السّارى رويدك فانزل
غزلت لهم غزلا رقيقا فلم أجد * لغزلى نسّاجا فكسّرت مغزلى
ثم ذكّرهم الحق جل جلاله العهد الذي أخذه عليهم في الجهاد والطاعة ، حين بايعوا نبيه - عليه الصلاة السّلام - في العقبة وغيرها ، فقال :

[ سورة المائدة ( 5 ) : آية 7 ]

وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ( 7 ) يقول الحق جل جلاله :
وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ
بالهداية والعز والنصر ،
وَ
اذكروا
مِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ
حين بايعتم نبيه في بيعة العقبة وبيعة الرضوان على الجهاد وإظهار الدين ، وعلى السمع والطاعة في المنشط والمكره ، حين
قُلْتُمْ
له :
سَمِعْنا وَأَطَعْنا
فيما تأمرنا به في عسرنا ويسرنا ، في منشطنا ومكر هنا ،
وَاتَّقُوا اللَّهَ
في نقض العهود ،
إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ
أي : خفياتها ، فيجازيكم عليها ، فضلا عن جليات أعمالكم ، والمقصود : الترغيب في الجهاد الذي هو من كمال الدين . الإشارة : يقال للفقراء الذين منّ اللّه عليهم بصحبة شيوخ التربية ، وأخذوا عنهم العهد ألا يخالفوهم : اذكروا نعمة اللّه عليكم ، حيث يسّر لكم من يسيركم إلى حضرة ربكم ، ويعرفكم به ، وغيركم يقول : إنه معدوم ، أو خفى لا يعرفه أحد ، وهذا الكنز الذي سقطتم عليه ، قلّ من وجده ، واذكروا أيضا ميثاقه الذي واثقه عليكم ألا تخالفوهم ، ولو أدى الأمر إلى حتف أنفكم . كان شيخ شيوخنا - سيدي العربي بن عبد اللّه ، يقول : الفقير الصادق ، هو الذي إذا قال له شيخه : ادخل في عين الإبرة ، يقوم مبادرا يحاول ذلك ، ولا يتردد . وقال أيضا : ( صاحبي هو الذي نقتله بشعرة ) ، وقد تقرر أن من قال لشيخه : لم ، لا يفلح ، وهذا أمر مقرر في علم التربية ؛ كما في قضية الخضر مع سيدنا موسى - عليه السّلام - . واتقوا اللّه في اعتقاد مخالفتهم سرا ؛
إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ
فإن الاعتراض سرا أقبح ؛ لأنه خيانة ، فليبادر المريد بالتوبة منه ويغسله من قلبه . واللّه تعالى أعلم .