وَذَكِّرْ بِهِ . . .
قلت : ( تبسل ) : تحبس وتسلم للهلكة ، وفي البخاري : « تبسل : تفضح ، أبسلوا : فضحوا وأسلموا » « 1 » .
يقول الحق جل جلاله لنبيه - عليه الصلاة السلام - :
وَذَكِّرْ
بالقرآن الناس ؛ مخافة
أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ
أي : لئلا تحبس كل نفس وترتهن بما كسبت أو تسلم للهلكة ، أو لئلا تفضح على رؤوس الأشهاد بما كسبت ،
لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ
يدفع عنها العذاب ،
وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ
أي : وإن تفد كل فداء
لا يُؤْخَذْ مِنْها
أي : لا يقبل منها .
أُولئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِما كَسَبُوا
أي : أسلموا للعذاب بسبب أعمالهم القبيحة وعقائدهم الزائغة ، أو افتضحوا بما كسبوا
لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ
وهو الماء الحار ،
وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ
، والمعنى : هم بين ماء مغلى يتجرجر في بطونهم ، ونار تشعل بأبدانهم بسبب كفرهم ، والعياذ بالله .
الإشارة : لا ينبغي للشيخ أو الواعظ أن يمل من التذكير ، ولو رأى من أصحابه غاية الصفاء ، ولا ينبغي للمريد أن يمل من التصفية والتشمير ، ولو بلغ من تصفية نفسه ما بلغ ، أو أظهرت له من الاستقامة ما أظهرت ، قال تعالى :
وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْها
.
قال أبو حفص النيسابوري رضى اللّه عنه : من لم يتّهم نفسه على دوام الأوقات ، ولم يخالفها في جميع الأحوال ، ولم يجرها إلى مكروهها في سائر أيامه ، كان مغرورا ، ومن نظر إليها باستحسان شئ منها فقد أهلكها ، وكيف يصح لعاقل الرضا عن نفسه ؛ والكريم بن الكريم بن الكريم بن الكريم ، يقول :
وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ
« 2 » . وقال أيضا : منذ أربعين سنة اعتقادي في نفسي - أن اللّه ينظر إلىّ نظر السخط ، وأعمالى تدل على ذلك . وقال الجنيد رضى اللّه عنه : لا تسكن إلى نفسك ، وإن دامت طاعتها لك في طاعة ربك . وقال أبو سليمان الداراني رضى اللّه عنه : ( ما رضيت عن نفسي طرفة عين ) . إلى غير ذلك من مقالاتهم التي تدل على عدم الرضى عن النفس وعدم القناعة منها بالتصفية التي أظهرت .
ويحكى عن القطب ابن مشيش ؛ أنه لما بلغ في تلاوته هذه الآية ، تواجد وأخذه حال عظيم اقتطعه عن حسه ، حتى كان يتمايل ، فيميل الجبل معه يمينا وشمالا . نفعنا اللّه بذكرهم آمين .
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في ( تفسير سورة الأنعام ) من قول ابن عباس . رضى اللّه عنه .
( 2 ) من الآية 53 من سورة يوسف .