بتسليط أكابركم وحكامكم عليكم ، ومن تحت أرجلكم : سفلتكم وعبيدكم ،
أَوْ يَلْبِسَكُمْ
أي : يخلطكم
شِيَعاً
أي :
فرقا متحزبين على أهواء شتى ، فينشب القتال بينكم ،
وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ
، بقتال بعضكم بعضا .
وفي الحديث عنه صلّى اللّه عليه وسلّم : أنه لما نزلت :
أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ
قال : « أعوذ بوجهك » ، ولما نزلت :
أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ
قال أيضا : « أعوذ بوجهك » ، ولما نزلت :
أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً
قال : « هذا أهون » « 1 » ، فقضى اللّه على هذه الأمة بالقتل والقتال إلى يوم القيامة ، نعوذ بالله من الفتن .
قال تعالى :
انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ
أي : نقلبها بورود الوعد والوعيد
لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ
ما نزل إليهم .
وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ
أي : بالعذاب ، أو بالقرآن ،
وَهُوَ الْحَقُّ
أي : الواقع لا محالة ، أو الصدق في أخباره وأحكامه ،
قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ
أي : وكل إلىّ أمركم فأمنعكم من التكذيب ، أو أجازيكم ، إنما أنا منذر ، واللّه هو الحفيظ .
لِكُلِّ نَبَإٍ
أي : خبر بعذاب أو إيعاد به ،
مُسْتَقَرٌّ
أي : وقت استقراره ووقوعه ، يعرف - عند انقضائه - صدقه من كذبه ،
وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ
ما يحل بكم عند وقوعه في الدنيا والآخرة .
الإشارة : الخطاب للمريدين السائرين ، أو الواصلين . خوفهم بأن يحول بينهم وبين شهود عظمته الفوقية والتحتية ، فينزل عليهم عذاب الفرق من جهة العلو أو السّفل ، فلا يشهدون إلا الأكوان محيطة بهم ، أو يخالف بين وجوههم ويلبسهم شيعا ، فإذا تفرقت الوجوه تفرقت القلوب غالبا ، والعياذ بالله ، لأن الفتح والنصر مرتب على الجمع ، قال تعالى :
قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنا بِالْحَقِّ
« 2 » . قال القشيري : فيه إشارة إلى أن الجمع مؤذن بالفتح . ه . فينبغي للمريد أن يشهد الصفاء في الجميع ، ويتودد إلى الجميع ، حتى لا يبقى معه فرق . واللّه تعالى أعلم .
ثم حذّر من صحبة أهل الخوض ، فقال :
[ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 68 إلى 69 ]
وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ( 68 ) وَما عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلكِنْ ذِكْرى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ( 69 )
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في : ( تفسير سورة الأنعام ، باب : قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا ) من حديث جابر رضى اللّه عنه .
( 2 ) الآية 26 من سورة سبأ .