تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 123

مساهمون:

ص١٢٣
في الرد عليهم :
أَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ
أي : بمن يقع منهم الإيمان والشكر فيوفقهم ، وبمن لا يقع منه فيخذله . وبالله التوفيق . الإشارة : في صحبة الفقراء خير كثير وسر كبير ، وخصوصا أهل الصفاء والوفاء منهم ، وفي ذلك يقول الشيخ أبو مدين رضى اللّه عنه :
مالذّة العيش إلّا صحبة الفقرا * هم السّلاطين والسّادات والأمرا
فاصحبهمو وتأدّب في مجالسهم * وخلّ حظّك مهما خلّفوك ورا
إلى آخر كلامه . فلا يحصل كمال التربية والتهذيب إلا بصحبتهم ، ولا تصفو المعاني إلا بمجالستهم والمذاكرة معهم ، والمراد من دخل منهم بلاد المعاني ، وحصّل مقام الفناء في الذات ، فالجلوس مع هؤلاء ساعة تعدل عبادة الثقلين سنين ، ومن شأن شيوخ التربية : العطف على الفقراء والمساكين وتقريبهم ، ولا يطردون أحدا منهم ولو عمل ما عمل ، اقتداء بما أمر به نبيهم صلّى اللّه عليه وسلّم . بل شأنهم الإقبال على من أقبل إليهم ، عصاة كانوا أو طائعين ، وإقبالهم على العصاة المذنبين أكثر ، جبرا لكسرهم ، وتألفا لهم ، وسوقا لهم إلى اللّه بملاطفة الإحسان . وبالله التوفيق . ولما أمره بتقريب الضعفاء من المؤمنين ، أمره بإكرامهم بالسلام والبشارة بغفران الآثام ، فقال :

[ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 54 ]

وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 54 ) قلت : من فتح ( أنه ) ؛ جعله بدلا من الرحمة ، ومن كسره ؛ فعلى الاستئناف ، و ( بجهالة ) : حال ، ومن قرأ ( فإنه ) بالكسر ؛ فالجملة : جواب الشرط ، ومن فتح ؛ فخبر عن مضمر ، أي : فجزاؤه الغفران ، أو مبتدأ ؛ فالغفران جزاؤه . يقول الحق جل جلاله :
وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا
؛ وهم الذين يدعون ربهم بالغداة والعشى ، خصهم بالإيمان بالقرآن ، بعد ما وصفهم بالمواظبة على الطاعة والإحسان ، فإذا أقبلوا إليك
فَقُلْ
لهم :
سَلامٌ عَلَيْكُمْ
؛ تحية منى عليكم ، أو من اللّه أبلغه إليكم ،
كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ
أي : حتمها عليه فضلا منه ، وهي
أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً
أي : ذنبا
بِجَهالَةٍ
أي : بسفاهة وقلة أدب ، أو جاهلا بحقيقة ما يتبعه من المضار والمفاسد ،
ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ
أي : من بعد عمل السوء
وَأَصْلَحَ
بالتدارك والندم على ألا يعود إليه ،
فَأَنَّهُ غَفُورٌ
لذنبه ،
رَحِيمٌ
به بقبول توبته .