من الأب الشفيق أو الشيخ الناصح ، وقد قال لنوح عليه السّلام :
إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ
« 1 » . وهذا الخطاب أشد لعلو مقامه صلّى اللّه عليه وسلّم .
الإشارة : كل ما سلّيت به الرسل تسلّى به الأولياء ؛ لأنهم ورثتهم الخاصة ، وكل ما أمرت به الرسل تؤمر به الأولياء ، من الصبر وعدم الحرص ، فليس من شأن الدعاة إلى اللّه الحرص على الناس ، ولا الحزن على من أدبر عنهم أو أنكر ، بل هم يزرعون حكمة التذكير في أرض القلوب ، وينظرون ما ينبت اللّه فيها ، اقتداء بما أمر به الرسول - عليه الصلاة السلام ، وما تخلق به ، فمن أصول الطريقة : الإعراض عن الخلق في الإقبال والإدبار ، والرجوع إلى اللّه في السراء والضراء . واللّه تعالى أعلم .
ثم ذكر علّة إعراضهم ، وهو موت أرواحهم ، فقال :
[ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 36 ]
إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ( 36 )
يقول الحق جل جلاله :
إِنَّما يَسْتَجِيبُ
لك ، ويجيب دعوتك إلى الإيمان ،
الَّذِينَ يَسْمَعُونَ
سماع تفهم وتدبر ، وهو من كان قلبه حيا ، وأما الكفار فهم موتى لا يسمعون ولا يفقهون ،
وَالْمَوْتى
، وهم الكفار الذين ماتت أرواحهم بالجهل حتى ماتوا حسا ،
يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ
، فيظهر لهم حينئذ الحق ، ويسمعون حين لا ينفع الإيمان ، أو يبعثهم اللّه في الدنيا بالهداية ، أو الموتى حقيقة حسا ، يبعثهم اللّه للحساب ،
ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ
للجزاء .
الإشارة : إنما يستجيب لدعوة الخصوصية ، ويجيبون الدعاة إلى السير لشهود عظمة الربوبية ، الذين سبقت لهم العناية ، وأحيا اللّه قلوبهم بالهداية ، فيسمعون بسمع القلوب والأرواح ، ويترقّون من حضرة عالم الأشباح إلى حضرة عالم الأسرار والأرواح ؛ والموتى بالغفلة والجهل يبعثهم اللّه ببركة صحبة أهل اللّه ، فتهبّ عليهم نفحات الهداية ؛ لما سبق لهم من سر العناية ، ثم إليه يرجعون فيتنعمون في حضرة الشهود ، في مقعد صدق عند الملك الودود .
ثم عاتبهم على اقتراح الآيات ، فقال :
[ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 37 إلى 38 ]
وَقالُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 37 ) وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ ( 38 )
هامش
( 1 ) من الآية 46 من سورة هود .