الإشارة : لم يبرأ من الشرك الخفي والجلى إلا أهل الفناء ؛ الذين وحدوا اللّه في وجوده ، فلم يروا معه سواه . قال بعض من بلغ هذا التوحيد : ( لو كلفت أن أرى غيره لم أستطع ؛ فإنه لا غير معه حتى أشهده ) وقال آخر : محال أن تشهده وتشهد معه سواه . وقال شاعرهم :
مذ عرفت الإله لم أر غيرا * وكذا الغير عندنا ممنوع
إلى غير ذلك من مقالاتهم الدالة على تحقيق وجدانهم . نفعنا اللّه بذكرهم ومحبتهم . آمين .
ولمّا قالت قريش : قد سألنا اليهود والنصارى عنك ، فلم يجدوا لك عندهم ذكرا ، ردّ اللّه عليهم ، فقال :
[ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 20 إلى 21 ]
الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ( 20 ) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ( 21 )
يقول الحق جل جلاله
الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ
من اليهود والنصارى ،
يَعْرِفُونَهُ
أي : محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم بحليته المذكورة في التوراة والإنجيل ،
كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ
أو أشد ، وإنما كتموه ؛ جحدا وخوفا على رياستهم . .
الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ
من أهل الكتاب ؛ حيث كذّبوا وكتموا ، ومن المشركين حيث كفروا وجحدوا ،
فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ
؛ لتضييعهم ما به يكتسب الإيمان من النظر والتفكير والإنصاف للحق ، فقد ظلموا أنفسهم وبخسوها .
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً
؛ بأن كتم شهادة الحق ، وهي صفة الرسول - عليه الصلاة والسلام - أو ادّعاء الملائكة بذات اللّه ، وهؤلاء شفعاؤنا عند اللّه ،
أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ
؛ كالقرآن والمعجزات وسمّوها سحرا ، أي : لا أحد أظلم ممن فعل هذا ، وإنما عبّر ب « أو » ، وهم قد جمعوا بين الأمرين ؛ تنبيها على أن كل واحد منهما وحده بالغ غاية الإفراط في الظلم على النفس ،
إِنَّهُ
أي : الأمر والشأن
لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ
، فضلا عمّن لا أحد أظلم منه .
الإشارة : أقبح الناس منزلة عند اللّه ، من تحقق بخصوصية ولى من أولياء اللّه ، ثم كتمها وجحدها ؛ حسدا وعنادا ، وجعل ينكر عليه ، فقد آذن بحرب من اللّه ، فالتسليم عناية ، والانتقاد جناية ، والاستنصاف من شأن الكرام ، والتعصب من شأن اللئام . وباللّه التوفيق .