يفسدون إيمانهم بما يخفون ، وجملة ( وما يشعرون ) حالية ، أي : غير شاعرين ، والشعور : التفطن ، وفعله من باب كرم ونصر . وليت شعري : أي : ليت فطنتى تدرك هذا ، وجملة ( في قلوبهم مرض ) تعليلية للمخادعة ، والمرض :
الضعف والفتور ، وهو هنا مرض القلوب بالشك والنفاق . والعياذ باللّه .
يقول الحق جل جلاله :
وَمِنَ النَّاسِ
منهم مغموص عليهم بالنفاق كبعض اليهود والمنافقين ، يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم ، يقولون :
آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ
وما هم في عداد المؤمنين ،
يُخادِعُونَ
بزعمهم
اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا
بما يظهرون من الإيمان ،
وَما يَخْدَعُونَ
في الحقيقة
إِلَّا أَنْفُسَهُمْ
؛ لأن وبال خداعهم راجع إليهم ،
وَما يَشْعُرُونَ
أن خداعهم وبال عليهم ، وإنما حصلت لهم هذه المخادعة لأن
فِي قُلُوبِهِمْ
مرضا من الشك والحسد ، فقلوبهم مذبذبة ، وأنفسهم مغمومة ،
فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً
على مرضهم بما ينزل عليهم من الآيات التي تفضحهم ،
وَلَهُمْ
في الآخرة - إذا قدموا على اللّه -
عَذابٌ
موجع بسبب تكذيبهم رسول اللّه أو كذبهم على اللّه . هذا مضمّن الآية .
افتتح الحق - جل جلاله - بذكر الذين أخلصوا دينهم للّه وواطأت فيه قلوبهم ألسنتهم ، ثم ثنى بالكافرين الذين محضوا الكفر ظاهرا وباطنا ، ثم ثلث بالمنافقين الذين آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ، وهم أخبث الكفرة ؛ لأنهم خلطوا بالكفر استهزاء وخداعا ، ولذلك كانوا في الدرك الأسفل من النار .
الإشارة : ومن الناس من يترامى بالدعوى على الخصوصية ، ويدعى تحقيق مشاهدة الربوبية ، وهو في الدرك الأسفل من العمومية ، يظهر خلوص الإيمان وتحقيق العرفان ، وهو في أودية الشكوك والخواطر حيران ، وفي فيافى القطيعة والفرق ظمآن ، لسانه منطلق بالدعوى ، وقلبه خارب من الهدى ، يخادع اللّه بالرضا عن عيوبه ومساوئه ، ويخادع المسلمين بتزيين ظاهره ، وباطنه معمور بحظوظه ومهاويه ، يتزيه بزىّ العارفين ويتعامل معاملة الجاهلين ، ويصدق عليه قول القائل :
أمّا الخيام فإنّها كخيامهم * وأرى نساء الحىّ غير نسائها « 1 »
وما يخادع في الحقيقة إلا نفسه ، حيث حرمها الوصول ، وتركها في أودية الأكوان تجول ، قلبه بمرض الفرق والقطيعة سقيم ، وهو يظن أنه في عداد من يأتي اللّه بقلب سليم ، فزاده اللّه مرضا على مرضه حيث رضى بسقمه وعيبه ، وله عذاب الحرص والتعب في ضيق الحجاب والنصب بسبب كذبه على اللّه ، وإنكاره على أولياء اللّه ، فجزاؤه البعد والخذلان ، وسوء العاقبة والحرمان ، عائذا باللّه من المكر والطغيان .
هامش
( 1 ) البيت نسبه القرطبي في تفسيره لأبى بكر الشبلي ، في قصة . وجاء في ديوان الشبلي : قسم أشعار تمثل بها الشبلي .