ثم ذكر وبال ظلمهم وعدوانهم فقال :
[ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 160 إلى 161 ]
فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً ( 160 ) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً ( 161 )
يقول الحق جل جلاله : فبسبب ظلم
مِنَ الَّذِينَ هادُوا
؛ وهو نقضهم الميثاق ، وكفرهم بآيات الله ، وقتلهم الأنبياء ،
حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ
كانت
أُحِلَّتْ لَهُمْ
كالشحوم ، وكل ذي ظفر ، وغير ذلك من لذيذ الطيبات ، وكانوا كلما ارتكبوا كبيرة حرّم عليهم شيئا من الطيبات ، وحرمنا ذلك أيضا عليهم
بِصَدِّهِمْ
عن طريق
اللَّهِ
صدا
كَثِيراً
، أي : بإعراضهم عنه إعراضا كثيرا ، أو بصدهم عنه ناسا كثيرا كانوا يخذّلونهم عن الدخول في دين الله ، وبأخذهم الربا
وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ
، فهو محرم عليهم وعلى الأمة المحمدية ، وبأكلهم
أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ
كالرشوة وما كانوا يأخذونه من عوامهم ،
وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنْهُمْ
بمحمد صلّى اللّه عليه وسلم
عَذاباً أَلِيماً
، دون من تاب وآمن به .
الإشارة : اعلم أن كل غفلة ومعصية وسوء أدب يحرم مرتكبه بسببه من لذيذ الطاعات وحلاوة المشاهدات على قدره ، شعر أو لم يشعر ، وقد يبعده من الحضرة وهو لا يشعر ، مكرا واستدراجا ، فإذا أصر عليه سلب من مقام الولاية بالكلية ، ولا يزال ينقص إيمانه شيئا فشيئا ، حتى يتفلت منه ، والعياذ بالله ، وإذا بادر بالتوبة رجى قبوله ، وكل يقظة وطاعة وحسن أدب يوجب لصاحبه الزلفى والقرب من الحضرة ، ويزيده في حلاوة المعاملة والمشاهدة على قدره ، فلا يزال يتقرب إليه بنوافل الخيرات ، حتى يحبه فيتولاه ، فيكون سمعه وبصره ، كما في الحديث .
وبالله التوفيق .
ثم استثنى من تاب من اليهود ، فقال :
[ سورة النساء ( 4 ) : آية 162 ]
لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً ( 162 )