قلت : ( فبما ) : صلة زيدت للتأكيد ، و ( نقضهم ) : مصدر مجرور بالباء ، وهي متعلقة بالفعل المحذوف ، أي :
بسبب نقضهم فعلنا بهم ما فعلنا ، أو بقوله : ( حرمنا عليهم ) ، ويكون ( فبظلم ) على هذا بدلا من قوله : ( فبما نقضهم ) ، فيكون التحريم بسبب النقض ، وما عطف عليه . والاستثناء في قوله : ( إلا اتباع الظن ) منقطع ؛ إذ العلم يناقض الظن .
يقول الحق جل جلاله : فلما أخذنا على بني إسرائيل العهد والميثاق خالفوا ونقضوا ، ففعلنا بهم ما فعلنا ، بسبب نقضهم ميثاقهم ، أو بسبب نقضهم وكفرهم
حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ
، وبسبب كفرهم أيضا
بِآياتِ اللَّهِ
؛ القرآن ، أو بما في كتبهم ،
وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ
أي : مغلفة لا تفقه ما تقول .
قال تعالى في الرد عليهم :
بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ
، فجعلها محجوبة عن العلم ، بأن خذلها ومنعها التوفيق للتدبر في الآيات والتذكر بالمواعظ ،
فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا
منهم كعبد الله بن سلام وأصحابه ، أو إيمانا قليلا لا عبرة به لنقصانه ،
وَبِكُفْرِهِمْ
أيضا بعيسى عاقبناهم وطبعنا على قلوبهم ،
وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتاناً عَظِيماً
أي : نسبتها للزنى وبقولهم :
إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ
أي بزعمه ، ويحتمل أنهم قالوه استهزاء ، ونظيره :
إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ
، أو يكون استئنافا من الله بمدحه ، أو وضعا للذكر الحسن موضع قولهم القبيح . قاله البيضاوي .
ثم رد الله تعالى عليهم فقال :
وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ
، روى أن رهطا من اليهود سبوه هو وأمه ، فدعا عليهم ، فمسخوا قردة وخنازير ، فاجتمعت اليهود على قتله ، فقال لهم : يا معشر اليهود ، إن الله يبغضكم ، فغضبوا وثاروا ليقتلوه ، فبعث الله تعالى جبريل فأدخله خوخة فيها كوة في سقفها ، ورفعه الله إلى السماء من تلك الكوة ، فأمر اليهود رجلا منهم يقال له : طيطانوس ، أن يدخل الخوخة ويقتله ، فلما دخل الخوخة ، لم ير عيسى ، فألقى الله تعالى شبه عيسى عليه ، فلما أبطأ عليهم دخلوا عليه ، فظنوه عيسى ، فقتلوه وصلبوه .
وقال قتادة : ذكر لنا أن عيسى عليه السّلام قال لأصحابه : أيكم يقذف عليه شبهي فيقتل ؟ فقال رجل : أنا يا رسول الله ، فقتل ذلك الرجل ، ورفع عيسى عليه السّلام ، وكساه الريش وألبسه النور ، وقطع عنه لذة المطعم والمشرب وصار مع الملائكة ، فهو معهم في السماء إنسيا ملكيا ، أرضيا سماويا .
وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ
فقال بعض اليهود : إن كان هذا عيسى فأين صاحبنا ؟ وإن كان صاحبنا فأين عيسى ؟ ويقال : إن الله تعالى ألقى شبه وجه عيسى على صاحبهم ، ولم يلق عليه شبه جسده ، فلما