قلت : ( الذين ) : صفة المنافقين ، أو نصب على الذم ، و ( نستحوذ ) : نغلب ، استحوذ : غلب ، جاء على أصله ، ولم يعلّ كاستعاذ والقياس : استحاذ ، يستحيذ ، كاستعاذ يستعيذ ، لكنه صحح تنبيها على الأصل .
يقول الحق جل جلاله :
إِنَّ اللَّهَ
سيجمع
الْمُنافِقِينَ وَالْكافِرِينَ
، أي : الخائضين والقاعدين معهم ،
فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً
خالدين فيها .
الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ
أي : ينتظرون بكم الدوائر ، أي : ما يدور به الزمان والدهر عليكم ، وهم المنافقون ،
فَإِنْ كانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ
كالنصر والغنيمة
قالُوا
للمؤمنين :
أَ لَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ
على دينكم ، فأعطونا مما غنمتم ،
وَإِنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ
؛ دولة أو ظهور على المسلمين ،
قالُوا
لهم :
أَ لَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ
أي : نغلبكم ونتمكن من قتلكم ، وأبقينا عليكم فمنعناكم من قتل المسلمين لكم ، بأن خذلناهم بتخييل ما ضعفت به عزيمتهم عليكم ، وتوانينا في مظاهرتهم عليكم ، فأشركونا مما أصبتم . وإنما سمى ظفر المسلمين فتحا ، وظفر الكافرين نصيبا ؛ لخسة حظه ، فإنه حظ دنياوى ، استدراجا ومكرا ، بخلاف ظفر المسلمين ، فإنه إظهار الدين ، وإعانة بالغنيمة للمسلمين .
فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ
؛ فيدخل أهل الحق الجنة ، ويدخل أهل الخوض النار ،
وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا
أي : حجة ، أو غلبة في الدنيا والآخرة ، وفيه دليل على عدم صحة ملك الكافر للمسلم ، فيباع عليه إن اشتراه ، ويفسخ نكاحه إن تزوج مسلمة . والله تعالى أعلم الإشارة : ( المرء مع من أحب ) ؛ من أحبّ قوما حشر معهم ، فمن أحب أهل الخوض حشر مع الخائضين ، ومن أحب أهل الصفا حشر مع المخلصين ، وإن كان مذبذبا يميل مع كل ريح ؛ حشر مع المخلطين ، وهو من خف عقله وضعف يقينه ، إن رأى بأهل النسبة من الفقراء عزا ونصرا وفتحا انحاز إليهم ، وقال : ألم نكن معكم ، وإن رأى لأهل الإنكار من العوام صولة وغلبة رجع إليهم ، وقال : ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من دعاء الصالحين عليكم ، فما لهذا عند الله من خلاق . وفي الحديث : « ذو الوجهين لا يكون عند الله وجيها » . فالله يحكم بينهم يوم القيامة ، فيرفع أهل الصفا مع المقربين ، ويسقط أهل الخوض مع الخائضين ، وليس لأهل الخوض من أهل الإنكار سبيل ولا حجة على أهل الصفا من الأبرار ،
إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ
.
ثم ذكر أحوالهم الشنيعة ، فقال :
[ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 142 إلى 143 ]
إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراؤُنَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً ( 142 ) مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً ( 143 )