تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 574

مساهمون:

ص٥٧٤
قلت : ( شهداء ) : خبر ثان لكان ، أو حال ، ( فالله أولى ) : علة للجواب ؛ أي : إن يكن المشهود عليه غنيا عليه فلا تمتنعوا من الشهادة عليه تعظيما له ، وإن يكن فقيرا فلا تمتنعوا من الشهادة عليه إشفاقا عليه ، فإن الله أولى بالغنى والفقير منكم ، والضمير في ( بهما ) راجع إلى ما دل عليه المذكور ، وهو جنسا الغنى والفقير ، لا إليه وإلا لوحّد ؛ لأن « أو » لأحد الشيئين . و ( أن تعدلوا ) : مفعول من أجله ، ومن قرأ : تلوا - بضم اللام - فقد نقل ضم الواو إلى اللام وحذف أحد الواوين ، وقيل : من الولاية . يقول الحق جل جلاله :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ
أي : مجتهدين في إقامة العدل مواظبين على الحكم به ، وكونوا
شُهَداءَ لِلَّهِ
بالحق تقيمون شهادتكم لوجه الله ، وابتغاء مرضاته ، بلا طمع أجر ولا عوض ، وهذا إن تعينت عليه ، ولم يكن في تحملها مشقة ، وإلا أبيح له أجر تعبه ، فأدوا شهاداتكم
وَلَوْ
كانت
عَلى أَنْفُسِكُمْ
بأن تقروا بالحق الذي عليها ، لأن الشهادة بيان الحق ، سواء كان عليها أو على غيرها ،
أَوِ
كانت الشهادة على
الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ
، فلا تمنعكم الشفقة والتعظيم من إقامة الشهادة عليهما ، وأحرى غيرهما من الأجانب ،
إِنْ يَكُنْ
المشهود عليه
غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً
فلا تميلوا عن الشهادة بالحق عليهما ، تعظيما للغنى أو شفقة للفقير ، فإن
فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما
وبالنظر لهما ، فلو لم تكن الشهادة عليهما صلاحا لهما ما شرعها ،
فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى
فتميلوا مع الغنى أو الفقير ، فقد نهيتكم إرادة
أَنْ تَعْدِلُوا
في أحكامكم ، فتكونوا عدولا ، أو كراهية أن تعدلوا عن الحق أي : تميلوا ،
وَإِنْ تَلْوُوا
ألسنتكم عن شهادة الحق أو حكومة العدل
أَوْ تُعْرِضُوا
عن أدائها فتكتموها
فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً
، فيجازى الكاتم والمؤدى . قال صلّى اللّه عليه وسلم عند نزولها : « من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقم شهادته على من كانت ، ومن كان يؤمن باللّه واليوم الآخر ، فلا يجحد حقا هو عليه ، وليؤده عفوا ، ولا يلجئه إلى السلطان وخصومته ، ليقتطع بها حقه ، وأيما رجل خاصم إلىّ فقضيت له على أخيه بحق ليس له عليه ، فلا يأخذه ، فإنّما أقطع له قطعة من النار » . الإشارة : قد أمر الحق تعالى عباده بإقامة العدل في الأمور كلها ، ونهى عن مراقبة الخلق في الأشياء كلها ، فيتأكد على المريد ألّا يراقب أحدا من الخلق ؛ وإنما يراقب الملك الحق ، فيكون قويا في الحق ، يقيمه على نفسه وغيره ، فلا تجتمع مراقبة الحق مع مراقبة الخلق ، من راقب الحق غاب عن الناس ، ومن راقب الناس غاب عن الحق ، وعاش مغموما من الخلق ، ولله در القائل حيث قال :
من راقب الناس مات غمّا * وفاز باللذات الجسور