تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 567

مساهمون:

ص٥٦٧
قلت : و ( ما يتلى ) : عطف على ( الله ) ، أي : يفتيكم الله ، والمتلو عليكم في الكتاب ، أي : في القرآن .
وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ
حذف الجار ، وهو في أو عن ، ليصدق النهى بالراغب فيها إذا كانت جميلة ، والراغب عنها إذا كانت دميمة ، و
الْمُسْتَضْعَفِينَ
عطف على ( يتامى النساء ) أي : والذي يتلى في المستضعفين من الولدان ، وهو قوله تعالى :
يُوصِيكُمُ اللَّهُ . . .
إلخ ، أو على الضمير في ( فيهن ) أي : يفتيكم فيهن وفي المستضعفين ، و ( أن تقوموا ) عطف على ( المستضعفين ) ، أو منصوب بمحذوف ، أي : ويأمركم أن تقوموا . . . إلخ . يقول الحق جل جلاله :
وَيَسْتَفْتُونَكَ
يا محمد
فِي
شأن
النِّساءِ
من الميراث وغيره ،
قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ
، فيأمركم أن تعطوهن حقهن من الميراث ،
وَ
يفتيكم أيضا فيهن
ما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ
في أول السورة إذ قال :
لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ
ثم بيّنه في تقسيم الميراث في
يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ
، وقال في اليتامى :
وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ
وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى . . .
الآية ، فقد أفتاكم في اليتامى
اللَّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ
من الصداق
وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ
بدون صداق مثلهن ، فأمركم أن تنكحوا غيرهن ، ولا تنكحوهن إلا أن تقسطوا لهن في الصداق ، إذا كانت جميلة ، أو لها مال ، أو ترغبون عن نكاحهن إذا كانت دميمة ، فتعضلوهن لترثوهن ، فلا تفعلوا ذلك ، بل تزوجوها أو زوجوها ، وكانوا في الجاهلية ، إذا كانت اليتيمة ذات مال وجمال ، رغبوا فيها وتزوجوها بدون صداقها ، وإن كانت دميمة ولا مال لها رغبوا عنها وعضلوها ، أو زوجوها غيرهم . فنهى الله تعالى الفريقين معا .
وَ
يفتيكم أيضا في
الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدانِ
وهم الصغار ، أن تعطوهم حقهم من الميراث مع الكبار ، وكانوا لا يورثونهم ، روى أن عيينة بن حصن أتى النبي صلّى اللّه عليه وسلم فقال : أخبرنا أنك تورث النساء والصبيان ، وإنما كنا نورث من يشهد القتال ويحوز الغنيمة ؟ فقال له صلّى اللّه عليه وسلم : « كذا أمرت » ، فنزلت الآية .
وَ
يفتيكم أيضا ويأمركم
أَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالْقِسْطِ
أي : العدل . وهو خطاب للأئمة أن ينظروا لهم بالمصلحة ويستوثقوا حقوقهم ، ويحتاطوا لهم في أمورهم كلها . ثم وعدهم بالثواب على ذلك فقال :
وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِهِ عَلِيماً
، فيجازيكم على قدر إحسانكم . والله تعالى أعلم . الإشارة : يستفتونك عن نساء العلوم الرسمية ، وعن يتامى العلوم القلبية ، وهن نتائج الأفكار ، وهي العلوم اللدنية ، والأسرار الربانية ؛ التي هي من علوم الحقيقة ، ولا تليق إلا بالمستضعفين عند الخليقة ، وفي الخبر : « ألا أخبركم بأهل الجنّة ؟ هو كل ضعيف متضعّف ، لو أقسم على اللّه لأبرّه في قسمه » . أو كما قال صلّى اللّه عليه وسلم . قل الله يفتيكم فيهن فيأمركم أن تأخذوا من العلوم الرسمية ما تتقنون به عبادة ربكم ، وترغبوا في علم الطريقة ، التي هي علم
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 567 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان