تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 557

مساهمون:

ص٥٥٧
إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ
أي : ملتبسا بالحق
لِتَحْكُمَ
بما فيه من الحق
بَيْنَ النَّاسِ
بسبب ما
أَراكَ
أي : عرّفك
اللَّهُ
بالوحي ، أو بالاجتهاد ، ففيه دليل على إثبات القياس ، وبه قال الجمهور . وفي اجتهاد الأنبياء خلاف .
وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً
أي : عنهم للبرآء ، أو لأجلهم والذّبّ عنهم .
وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ
مما هممت به ،
إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً
، وفيه دليل على منع الوكالة عن الذمي ، وبه قال ابن شعبان . وقال ابن عات : لعله أراد الندب . وقال مالك بن دينار : كفى بالمرء خيانة أن يكون أمينا للخونة . والوكالة من الأمانة ، والمصطفى - عليه الصلاة والسلام - لم يقصد شيئا من ذلك ، ولا علم له بالواقعة ، لولا أطلعه تعالى ، فلا نقص في اهتمامه ، ولا درك « 1 » يلحقه . وبالجملة ، فالآية خرجت مخرج التعريف بحقيقة الأمر في النازلة . ثم نهاه عن الذب عنهم ، فقال :
وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ
وهم رهط ابن أبيرق السارق ، قال السهيلي : هم بشر وبشير ومبشر وأسير ،
إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ خَوَّاناً
أي : كثير الخيانة ،
أَثِيماً
أي : مصرا عليها ، روى أن طعمة هرب إلى مكة ، وارتدّ ، ونقب حائطا بها ليسرق أهله ، فسقط الحائط عليه فقتله . ويستفاد من الآية امتناع الجدال عمن علمت خيانته بالأحرى ، أو كان مظنة الخيانة ، كالكافر ونحوه . وكذا قال ابن العربي في أحكام القرآن في هذه الآية : إن النيابة عن المبطل المتهم في الخصومة لا تجوز ، بدليل الآية . ه . ثم فضح سرهم ، فقال :
يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ
أي : يستترون منهم ،
وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ
وهو أحق أن يستحيا منه ويخاف
وَهُوَ مَعَهُمْ
لا يخفى عليه شئ ، فلا طريق للنجاة إلا ترك ما يستقبح ، ويؤاخذ عليه سرا وجهرا .
إِذْ يُبَيِّتُونَ
أي : يدبرون ويزوّرون
ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ
من رمى البريء ، والحلف الكاذب ، وشهادة الزور ،
وَكانَ اللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطاً
لا يفوته شئ ،
ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا
ودفعتم عنهم المعرة ،
فَمَنْ يُجادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ
أي : من يدافع عنهم عذابه
يَوْمَ الْقِيامَةِ ، أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا
يحميهم من عقاب الله ، حين تفضح السرائر ، ولا تنفع الأصحاب ولا العشائر . الإشارة : في الآية عتاب للقضاة والولاة إذا ظهرت صورة الحق بأمارات وقرائن ، ثم تجمدوا على ظاهر الشريعة ، حمية أو رشوة ، فإن القضاء جلّه فراسة ، وفيها عتاب لشيوخ التربية ، إذا ظهر لهم عيب في المريد ستروه عليه حياء أو شفقة ، ولذلك قالوا : شيخ التربية لا تليق به الشفقة ، غير أنه لا يعيّن ، بل يذكر في الجملة ، وصاحب العيب يفهم نفسه ، وفيها عتاب للفقراء إذا راقبوا الناس ، وأظهروا لهم ما يحبون ، وأخفوا عنهم ما لا يرضون ، لقوله -
هامش
( 1 ) الدرك : التبعة .
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 557 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان