تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 555

مساهمون:

ص٥٥٥
يقول الحق جل جلاله : فإذا فرغتم من الصلاة
فَاذْكُرُوا اللَّهَ
في جميع أحوالكم
قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِكُمْ
إن أردتم حراسة قلوبكم ، والنصر على عدوكم ، أو إذا أردتم قضاء الصلوات وأداء فرضها ، وأنتم في المعركة ، فصلوا كما أمكنكم ،
قِياماً
راجلين أو على خيولكم إيماء ، وحلّ للضرورة حينئذ مشى وركض وطعن وعدم توجه ، وإمساك ملطخ ، وتنبيه وتحذير ، هذا للصحيح ،
وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِكُمْ
، للمريض أو الجريح ، هكذا قال جمهور الفقهاء في صلاة المسايفة « 1 » . وقال أبو حنيفة : لا يصلى المحارب حتى يطمئن .
فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ
وذهب الخوف عنكم
فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ
على هيأتها المعلومة ، واحفظوا أركانها وشروطها ، وأتوا بها تامة ،
إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً
أي : فرضا محدود الأوقات ، لا يجوز إخراجها عن وقتها في شئ من الأحوال . قال البيضاوي : وهذا دليل على أن المراد بالذكر الصلاة ، وأنها واجبة الأداء ، حال المسايفة ، والاضطراب في المعركة ، وتعليل للأمر بالإتيان بها ، كيف أمكن . الإشارة : إذا فرغتم من الصلاة الحسية ، فاستغرقوا أحواكم في الصلاة القلبية ، حتى تطمئن قلوبكم في الحضرة القدسية ، فإذا اطمأننتم في الحضرة ، فأقيموا صلاة الشهود والنظرة ، وهي الصلاة الدائمة ، قال تعالى :
الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ
. وقال الورتجبي : إذا كنتم في حالة التمكين وامتلأتم من أنوار ذكره ، فينبغي أن تخرجوا من أبواب الرخص ، والاستراحة في سعة الروح ، وترجعوا إلى مقام الصلاة ، فإن آخر سيركم في ربوبيتى : أول بدايتكم في عبوديتى . ه . ثم حذرهم من الوهن في أمر الجهاد ، فقال :

[ سورة النساء ( 4 ) : آية 104 ]

وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً ( 104 ) قلت : الوهن : الفشل والضعف . يقول الحق جل جلاله : ولا تضعفوا في طلب
الْقَوْمِ
، أي : الكفار ، فتجاهدوهم في سبيل الله ، فإن الحرب دائرة بينهم وبينكم ، قد أصابهم مثل ما أصابكم ، فإن
تَكُونُوا تَأْلَمُونَ
، أي : تتوجعون من الجراح ،
فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ
، وأنتم ترجون من الله النصر والعز في الدنيا ، والدرجات العلا في الآخرة ، وهم لا يرجون
هامش
( 1 ) المسايفة : المبارزة بالسيوف .