تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 406

مساهمون:

ص٤٠٦

[ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 130 إلى 134 ]

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( 130 ) وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ ( 131 ) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ( 132 ) وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ( 133 ) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ( 134 ) قلت : الكظم هو : الكف والحبس ، تقول : كظمت القربة : إذا ملأتها وسددت رأسها . يقول الحق جل جلاله :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا
وتزيدوا فيها إذا حلّ الأجل
أَضْعافاً مُضاعَفَةً
، ولعل التخصيص بحسب الواقع ، إذ كان الرجل يحلّ أجل دينه ، فيقول للمدين : إما أن تقضى وإما أن تزيد ، فلا يزال يؤخره ويزيد في دينه حتى يستغرق مال المدين ، فنهوا عن ذلك . ورغبهم في التقوى التي هي غنى الدارين . فقال :
وَاتَّقُوا اللَّهَ
فيما نهيتكم عنه ،
لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
في الدارين . ثم خوفهم بالنار إن لم ينتهوا ، فقال :
وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ
، وفيه إشعار بأن النار موجودة ؛ إذ لا يعدّ المعدوم ، وأنها بالذات معدة للكافرين ، وبالعرض للعاصين . قال الورتجبي : في الآية إشارة إلى أن النار لم تعد للمؤمنين ، ولم تخلق لهم ، ولكن خوفهم بها زجرا وعظة ، كالأب البار المشفق على ولده يخوفه بالأسد والسيف ، وهو لا يضربه بالسيف ، ولا يلقيه إلى الأسد ، فهذه الآية تلطف وشفقة على عباده . ه .
وَأَطِيعُوا اللَّهَ
فيما أمر ونهى ،
وَالرَّسُولَ
فيما شرع وسنّ ،
لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ
. والتعبير بلعل وعسى في أمثال هذه : دليل على عون التوصل إلى ما جعل طريقا له .
وَسارِعُوا
أي : بادروا
إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ
؛ كالإسلام والتوبة والإخلاص ، وسائر الطاعات التي توجب المغفرة ، وقرأ نافع وابن عامر بغير واو على الاستئناف . وسارعوا أيضا إلى
جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ
لو وصل بعضها ببعض ، وذكر العرض ؛ للمبالغة في وصفها بالسعة ؛ لأنه دون الطول . قال بعضهم : لم يرد العرض الذي هو ضد الطول ، وإنما أراد عظمها ، ومعناه : كعرض السماوات السبع والأرضين السبع في ظنكم ، أي : لا تدرك ببيان .
أُعِدَّتْ
أي : هيّئت
لِلْمُتَّقِينَ
. وفيه دليل على أن الجنة مخلوقة ، وأنها خارجة عن هذا العالم .