تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 404

مساهمون:

ص٤٠٤
فإن قلت : ما ذكر في الأنفال إلا ألفا ، وهنا خمسة آلاف . فالجواب : أن اللّه تعالى أمدهم أولا بألف ، ثم صاروا ثلاثة آلاف ، ثم صاروا خمسة آلاف . قال ابن عباس : لم تقاتل الملائكة إلا يوم بدر ، وفيما سوى ذلك يشهدون القتال معنا ، ولا يقاتلون . ه . الإشارة : كل من توجّه لجهاد نفسه في اللّه ، واشتغل بذكر مولاه ، أمده اللّه في الباطن بالأنوار والأسرار ، وفي الظاهر بالملائكة الأبرار ، وقد شوهد ذلك في الفقراء أصحابنا ، إذا كانوا ثلاثة رآهم العامة ثلاثين ، وإذا كانوا ثلاثين رأوهم ثلاثمائة ، وقد كنا في سفرة سبعين ، فرأونا سبعمائة على ما أخبرونا به ،
وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ
. ثم ذكر الحق تعالى حكمة إمداده لهم ، فقال :

[ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 126 إلى 129 ]

وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ( 126 ) لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ ( 127 ) لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ ( 128 ) وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 129 ) قلت : ( ليس لك من الأمر شئ ) : جملة معترضة بين قوله : ( أو يكبتهم ) وقوله : ( أو يتوب عليهم ) ، أو تكون ( أو ) بمعنى ( إلا ) ، أي : ليس لك من الأمر شئ ، إلا أن يتوب عليهم فتبشرهم ، أو يعذبهم فتتشفى فيهم . قاله البيضاوي . يقول الحق جل جلاله : وما جعل اللّه ذلك الإمداد إلا بشارة لكم بالنصر ،
وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ
فتثبتوا للقتال ،
وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ
فهو قادر على أن ينصركم بلا واسطة ، لكن أراد أن يثيبكم وينسب المزية إليكم ، حيث قتلهم على أيديكم ، فإن اللّه عزيز لا يغلب ، حكيم فيما دبر وأبرم ، وإنما نصركم يوم بدر
لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا
بقتل بعض وأسر آخرين ، فإنه قتل يومئذ سبعون ، وأسر سبعون ،
أَوْ يَكْبِتَهُمْ
أي : يحزنهم ويغيظهم ، والكبت : شدة الغيظ ،
فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ
مما أملوا . ولما جرح - عليه الصلاة والسلام - في وجهه ، وشجّ على قرن حاجبه ، وكسرت رباعيته ، همّ بالدعاء على الكفار ، بل دعا عليهم ، فأنزل اللّه :
لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ
؛ إنما أنت رسول إليهم ، مأمور بإنذارهم وجهادهم ، وأمرهم بيد مالكهم ، إن شاء هداهم وإن شاء عذبهم . وإنما نهاه عن الدعاء عليهم ؛ لعلمه بأن منهم من يسلم ويجاهد في سبيل اللّه ، وقد كان كذلك ؛ فجلّهم أسلموا وجاهدوا ، منهم خالد بن الوليد - سيف اللّه في أرضه .