لم يكن عيسى ولدا للّه فمن أبوه ؟ فقال لهما النبي صلّى اللّه عليه وسلم : ألستم تعلمون أنه لا يكون ولد إلا وهو يشبه أباه ؟ قالوا : بلى ، قال : ألستم تعلمون أن ربنا حي لا يموت ، وأن عيسى يأتي عليه الفناء ؟ قالوا : بلى ، قال : ألستم تعلمون أن ربنا قيّم كل شئ ، ويحفظه ، ويرزقه ؟ قالوا : بلى ، قال : فهل ملك عيسى شيئا من ذلك ؟ فقالوا : لا . قال : ألستم تعلمون أن اللّه لا يخفى عليه شئ في الأرض ولا في السماء ؟ قالوا : بلى ، قال : فهل يعلم عيسى من ذلك إلا ما علّم ؟ قالوا : لا .
قال : فإن ربنا صوّر عيسى في الرحم كيف شاء ، وربنا لا يأكل ولا يشرب ولا يحدث ، قالوا : بلى . قال : ألستم تعلمون أن عيسى حملته أمه كما تحمل المرأة ثم وضعته كما تضع المرأة ولدها ، ثم غذّى كما يغذى الصبى ، ثم كان يطعم ويشرب ويحدث ؟ قالوا : بلى . قال : كيف يكون هذا كما زعمتم ؟ فسكتوا . . . فأنزل فيهم السورة إلى هنا .
فقال الحق لنبيه - عليه الصلاة السلام - :
فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ
أي : في عيسى من النصارى ،
مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ
بعبوديته ،
فَقُلْ
لهم :
تَعالَوْا
نتلاعن ، أي : نلعن الكاذب منا ؛
نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ
أي : يدعو كل واحد منا نفسه وأعزة أهله وألصقهم بقلبه إلى المباهلة ، وإنما قدّمهم على النفس ؛ لأن الرجل يخاطر بنفسه دونهم ، فكان تقديمهم أبلغ في الابتهال ،
ثُمَّ نَبْتَهِلْ
، أي نجهد في الدعاء على الكاذب ،
فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ
.
فلما قرأ النبي صلّى اللّه عليه وسلم هذه الآية على وفد نجران ، ودعاهم إلى المباهلة ، قالوا : حتى نرجع وننظر في أمرنا ، فقالوا للعاقب - وكان ذا رأيهم - : ما ترى ؟ فقال : واللّه لقد عرفتم يا معشر النصارى أن محمدا نبي مرسل ، ولقد جاءكم بالفصل من أمر صاحبكم ، واللّه ما لا عن قوم قط نبيا فعاش كبيرهم ، ولا نبت صغيرهم ، ولئن فعلتم ذلك لتهلكن ، فوادعوا الرّجل . وانصرفوا ، فأتوه وهو محتضن الحسن آخذ بيد الحسين ، وفاطمة تمشى خلفه ، وعلىّ خلفها ، وهو يقول لهم : « إذا دعوت فأمنوا » ، فقال الأسقف : يا معشر النصارى ، إني لأرى وجوها لو سألوا اللّه أن يزيل جبلا من مكانه لأزاله ، فلا تتباهلوا فتهلكوا جميعا إلى يوم القيامة . فقالوا : يا أبا القاسم ، نرى ألا نلا عنك ، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : أسلموا يكن لكم ما للمسلمين وعليكم ما عليهم ، فأبوا ، فقال : إني أنابذكم ، فقالوا : مالنا بحرب العرب طاقة ، ولكنا نصالحك على ألا تغزونا ولا تردّنا عن ديننا ، على أن نؤدى إليك في كل عام ألفي حلة * ألفا في صفر ، ألفا في رجب ، وثلاثين درعا من حديد .
فصالحهم النبي صلّى اللّه عليه وسلم على ذلك ، فقال النبي : « والذي نفسي بيده لو تلاعنوا لمسخوا قردة ، وخنازير ، ولأضرم عليهم الوادي نارا ، ولا ستأصل اللّه نجران وأهله ، ولما حال الحول على النّصارى كلّهم حتى هلكوا » .
قال اللّه تعالى :
إِنَّ هذا
الذي أوحينا إليك
لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ
، خلافا لما يزعم النصارى من التثليث ،
وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ
في ملكه
الْحَكِيمُ
في صنعه ، فلا أحد يساويه في قدرته التامة ، ولا في حكمته البالغة ،
فَإِنْ تَوَلَّوْا
وأعرضوا عن الإيمان ،
فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ
، الذين يعبدون غير اللّه .