قال تعالى :
وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ
، وقوله : ( ذلك ) مبتدأ ، و ( نتلوه ) : خبر ، و ( من الآيات ) :
حال ، أو ( من الآيات ) : خبر ، و ( نتلوه ) : حال ، أو خبر بعد خبر .
يقول الحق جل جلاله : اذكر
إِذْ قالَ اللَّهُ
لعيسى عليه السّلام لما أراد رفعه :
يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ
، أي :
قابضك إلى ببدنك تاما ،
وَرافِعُكَ إِلَيَّ
أي : إلى محل كرامتي ومقر ملائكتي ،
وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا
أي : من مخالطة دنس كفرهم ،
وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ
؛ ممن صدق بنبوتك من النصارى والمسلمين ، وقال قتادة والشعبي والربيع : هم أهل الإسلام . ه . فو اللّه ما اتبعه من ادعاه ربا ، فمن تبع دينه حقا جعل
فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا
به من اليهود
إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ
؛ يغلبونهم بالحجة والسيف . وقد حقق اللّه فيهم هذا الأمر ، فإن اليهود لم ترفع لهم راية قط ، ولم يتفق لهم ملك ولا دولة إلى زمننا هذا « 1 » .
ثم قال تعالى :
ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ
بالبعث ،
فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ
من أمر الدين وأمر عيسى .
فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ
أي : فأجمع لهم عذابا الآخرة لعذاب الدنيا الذي أصابهم فيها من القتل والسبي .
وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ
في الدارين بالنصر والعز في الدنيا ، وبالرضا والرضوان في الآخرة ،
وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ
؛ لا يرضى فعلهم ولا يقربهم إليه .
ذلِكَ
الذي ذكرت لك من نبأ عيسى ومريم ومن ذكر قبلهما ،
نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآياتِ
أي : العلامات الدالة على صدقك ، لأنها أخبار عن أمور لم تشاهدها ولم تقرأها في كتاب ، بل هي من
الذِّكْرِ الْحَكِيمِ
، وهو القرآن المبين .
الإشارة : كل من طهر سره من الأكدار ، وقدس روحه من دنس الأغيار ، ورفع همته عن هذه الدار ، عرج اللّه بروحه إلى سماء الملكوت ، ورفع سره إلى مشاهدة سنا الجبروت ، وبقي ذكره حيا لا يموت ، وجعل من انتسب إليه في عين الرعاية والتعظيم ، وفي محل الرفعة والتكريم ، قال - عليه الصلاة والسلام - : « هاجروا تكسبوا العز لأولادكم » ، فمن هاجر وطن الحظوظ والشهوات ، والركون إلى العوائد والمألوفات ، عرجت روحه إلى سماء القدس ومحل الأنس ، وتمكن من العز الذي لا يفنى ، ينسحب عليه وعلى أولاده ومن انتسب إليه ؛ إلى أن يرث اللّه الأرض ومن عليها ، ( وهو خير الوارثين ) . هذه سنة اللّه في خلقه ، لأنهم نصروا دين اللّه ورفعوا كلمة اللّه ، فنصرهم اللّه ، ورفعهم اللّه ، قال تعالى :
إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ
، وقال تعالى :
وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا
. وفي الحكم : « إن أردت إن يكون لك عز لا يفنى ، فلا تستعزن بعز يفنى » . واللّه تعالى أعلم .
هامش
( 1 ) أي : إلى زمن المؤلف ، أما في زمننا ، فقد أنشئوا لهم دولة ، في قلب عالمنا الإسلامي ، في فلسطين العربية ، بمعاونة الدول الظالمة . اللهم أزل دولتهم وفرق شملهم . . . آمين .