شهود القدرة ، وكان محجوبا عن اللّه . ومن نفذ إلى شهود القدرة ولم يرتبط مع الأسباب والعوائد كان عارفا محبوبا . فالعارف الكامل هو الذي جمع بين شهود القدرة وإقرار الحكمة ، فأعطى كل ذي حق حقه ، ووفّى كلّ ذي قسط قسطه ، لكن يكون ذلك ذوقا وكشفا ، لا علما وتقليدا . وباللّه تعالى التوفيق :
ثم رغّب في الإخلاص ، وحذّر من شوب الحظوظ في النفقة ، فقال :
[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 270 إلى 271 ]
وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ ( 270 ) إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئاتِكُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ( 271 )
قلت : النذر : هو إلزام المكلف نفسه ما لم يجب ، كقوله : للّه علىّ أن أتصدق بكذا ، أو أصلى كذا ، أو أن أصوم كذا ، أو إن شفى اللّه مريضى فعلىّ كذا ، فمن نطق بشئ من ذلك لزمه ، ومن علق بشئ وحصل ذلك لزمه ما نطق به . و ( نعما ) أصلها : نعم ما هي ، فأدغمت الميم في الميم ، وفي ( نعم ) : ثلاث لغات : « نعم » بفتح النون وكسر العين وهي الأصل ، وبسكونها ، وبكسر النون وسكون العين ، فمن قرأ بكسر النون والعين ، فعلى لغة كسر العين ، وأتبع النون للعين ، ومن اختلس ، أشار إلى لغة السكون ، ومن قرأ بفتح النون وكسر العين ، فعلى الأصل وأدغم المثلين ، ومن قرأ بفتح النون وسكون العين فعلى لغة ( نعم ) بالفتح والسكون ، ثم أدغم ، ولم يعتبر التقاء الساكنين لعروضه ، أو لكون الثاني مشدّدا سهل ذلك . واللّه أعلم .
ومن قرأ : ( ونكفّر ) ، بالجزم ، فعطف على محل الجزاء ، ومن قرأ بالرفع ، فعلى الاستئناف ، أي : ونحن نكفر ، أو : فهو يكفر ، على القراءتين .
يقول الحق جل جلاله :
وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ
قليلة أو كثيرة ، سرا أو علانية ، في حق أو باطل ،
أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ
بشرط أو بغير شرط ، في طاعة أو معصية ،
فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ
، فيجازيكم عليه ، فمن أنفق في طاعة أو نذر قربة كان من المحسنين ، ومن أنفق في معصية أو نذر معصية كان من الظالمين .
وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ
ينصرونهم من عذاب اللّه .
إِنْ
تظهروا
الصَّدَقاتِ
، مخلصين فيها ،
فَنِعِمَّا هِيَ
أي : فنعم شيئا إبداؤها ، ولا سيما للمقتدى به ، فهو أفضل في حقه ،
وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ
خفية
فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ
؛ لأنه أقرب للإخلاص ، وهذا