تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 277

مساهمون:

ص٢٧٧
قلت : قال في القاموس : غرف الماء يغرفه : أخذه بيده ، كاغترفه ، والغرفة للمرّة ، وبالكسر : هيئة الغرف وبالضم : اسم للمفعول ، كالغرافة ، لأنك ما لم تغرفه لا تسميه غرفة ، ثم قال : والغرفة ، بالضم : العلّيّة « 1 » . يقول الحق جل جلاله : ولما اتفقوا على ملك طالوت تجهز للخروج ، وقال : لا يخرج معه إلا الشباب النشيط الفارغ ليس وراءه علقة « 2 » ، فاجتمع ممن اختار ثمانون ألفا ، وقيل : ثلاثون ، فلما انفصل عن بلده بالجنود وساروا في البيداء ، - وكان وقت الحرّ والقيظ - عطشوا ، وسألوا طالوت أن يجرى لهم نهرا ، فقال لهم بوحي ، أو بإلهام ، أو بأمر نبيهم :
إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ
أي : مختبركم
بِنَهَرٍ
بسبب اقتراحكم ،
فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ
كرعا بلا واسطة
فَلَيْسَ مِنِّي
أي : من جيشي ،
وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ
أي : يذقه ،
فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ
فإنها تكفيه لنفسه ولفرسه ، فالاستثناء من الجملة الأولى .
فَشَرِبُوا مِنْهُ
أي : كرعوا ، وسقطوا على وجوههم ،
إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ
ثلاثمائة وأربعة عشر ، على عدد أهل بدر ، وقيل : ألفا . روى أن من اقتصر على الغرفة كفته لشربه ودوابه ، ومن لم يقتصر غلب عطشه ، واسودّت شفته ولم يقدر أن يمضي . وعن ابن عباس : أن القوم شربوا على قدر يقينهم : فالكفار شربوا شرب الهيم ، وشرب العاصي دون ذلك ، وانصرف من القوم ستة وسبعون ألفا ، وبقي بعض المؤمنين لم يشرب شيئا ، وأخذ بعضهم الغرفة ، فأما من شرب فاشتد به العطش وسقط ، وأما من ترك الماء فحسن حاله ، وكان أجلد ممن أخذ الغرفة . ه . وحكمة هذا الامتحان : ليتخلص للجهاد المطيعون المخلصون ، إذ لا يقع النصر إلّا بهم ، فلما جاوز النهر طالوت ومن بقي معه ممن لم يشرب قال بعضهم لبعض :
لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ
؛ لكثرتهم وقلة عددنا ،
قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ
أي : يتيقّنون
أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ
ويتوقعون ثواب الشهادة وهم الخلّص من أهل البصيرة : لا تفزعوا من كثرة عددهم
كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ
وإرادته ومعونته ، و « كم » للتكثير ،
وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ
بالنصر والمعونة . الإشارة : قال بعض الحكماء : الدنيا كنهر طالوت ، لا ينجو منها إلا من لم يشرب أو اغترف غرفة بيده ، فمن أخذ منها قدر الضرورة كفته ، ونشط لعبادة مولاه ، ومن أخذ فوق الحاجة حبس في سجنها ، وكان أسيرا في يدها .
هامش
( 1 ) العلية بضم العين وكسرها - هي الغرفة في الطبقة الثانية من الدار وما فوقها ، وجمعها ( علالى ) ( 2 ) أي : ما يتعلق به وجمعها علق . وذلك كتجارة ، وزوجة لم يدخل بها ، وغير ذلك .