تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 266

مساهمون:

ص٢٦٦
ولما ذكر الحق تعالى شأن النساء ، حذر من الاشتغال بهن عن العبادة ، فقال :

[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 238 إلى 239 ]

حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ ( 238 ) فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالاً أَوْ رُكْباناً فَإِذا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَما عَلَّمَكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ( 239 ) يقول الحق جل جلاله :
حافِظُوا
أيضا على أداء
الصَّلَواتِ
الخمس في أوقاتها ؛ بإتقان شروطها وأركانها وخشوعها وآدابها ، ولا تشتغلوا عنها بشهوات النساء وتشغيب أحكامهن ، ولا بغير ذلك ، وحافظوا أيضا على
الصَّلاةِ الْوُسْطى
وهي العصر عند الشافعي ، وهو ظاهر الحديث ، أو الصبح عند مالك ؛ لفضلها ، أو لتوسطها بين صلاتي الليل والنهار . وما من صلاة إلا وقيل فيها الوسطى . وقيل : أخفيت كساعة الجمعة وليلة القدر .
وَقُومُوا لِلَّهِ
في الصلاة
قانِتِينَ
أي : ساكتين ، وكان ، قبل نزول الآية ، الكلام في الصلاة جائزا ، أو قيل : مطيعين . إذ القنوت في القرآن كله بمعنى الطاعة .
فَإِنْ خِفْتُمْ
من عدو ، أو سبع ، أو سيل ، فصلّوا قياما على أرجلكم بالإيماء للسجود ،
أَوْ رُكْباناً
على خيولكم بالإيماء للركوع والسجود ،
فَإِذا أَمِنْتُمْ
في الصلاة ، أو بعدها ، فصلوا صلاة أمن ،
فَاذْكُرُوا اللَّهَ
في الصلاة ، وصلوا
كَما عَلَّمَكُمْ
من الكيفية
ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ
قبل ذلك . الإشارة : حافظوا على الصلوات الحسية قياما بوظائف العبودية ، وعلى الصلاة القلبية قياما بشهود عظمة الربوبية ؛ وهي الصلاة الوسطى لدوامها في كل ساعة ، قيل لبعضهم : هل للقلوب صلاة ؟ قال : نعم ، إذا سجد لا يرفع رأسه أبدا . ه . أي : إذا خضع لهيبة العظمة لم يرفع أبدا ، وفي ذلك يقول الشاعر :
فاسجد لهيبة الجلال * عند التّدانى
ولتقرأ آية الكمال * سبع المثاني
وأشار بقوله « آية الكمال » لقوله تعالى :
إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ
ليجمع بين الشريعة والحقيقة ، فسجود القلب حقيقة ، وسجود الجوارح شريعة ، وقوموا للّه بآداب العبودية قانتين خاشعين ، فإن خفتم ألا تصلوا إلى ربكم ، قبل انقضاء أجلكم ، فسيروا إليه رجالا أو ركبانا ، خفافا أو ثقالا ، فإذا أمنتم من القطيعة - وذلك بعد التمكين - فاذكروا اللّه شكرا لأجل ما أطلعكم عليه ، وعلّمكم ما لم تكونوا تعلمون ؛ من عظمة الربوبية ، وكمال آداب العبودية .