تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 231

مساهمون:

ص٢٣١
يبدلوا ذلك بذكر اللّه ، وذكر إحسانه إليهم ، وشكر ما أسداه إليهم من مفاخر الدنيا والآخرة ، إن آمنوا واتبعوا رسوله صلّى اللّه عليه وسلم . الإشارة : إذا وقفت القلوب على جبل عرفة المعارف ، وتمكنت من شهود جمال معاني تلك الزخارف ، حتى صارت تلك المعاني هي روحها وسرّها ، وإليها مآلها ومسيرها ، أمرت بالنزول إلى أرض العبودية ، والقيام بوظائف الربوبية ، شكرا لما هداها إليه من معالم التحقيق ، وما أبان لها من منار الطريق ، وإن كانت من قبله لمن الضالين عن الوصول إلى رب العالمين . ثم يؤمرون بمخالطة الناس بأشباحهم ، وانفرادهم عنهم بأرواحهم . أشباحهم مع الخلق تسعى ، وأرواحهم في الملكوت ترعى ، فإذا وقع منهم ميل أو سكون إلى حسّ ؛ فليستغفروا اللّه
إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
. ثم يقال لهم : فإذا قضيتم مناسككم ، بأن جمعتم بين مشاهدة الربوبية في باطنكم ، والقيام بوظائف العبودية في ظاهركم ، فاذكروا اللّه على كل شئ ، وعند كل شئ ، وقبل كل شئ ، وبعد كل شئ ، حتى لا يبقى من الأثر شئ ، كما كنتم تذكرون آباءكم وأبناءكم ، في حال غفلتكم ، بل أشد ذكرا وأعظم وأتم ، واللّه ذو الفضل العظيم . ثم بيّن الحق تعالى مقاصد الناس ، وهممهم في طلبهم وسعيهم ، فقال :
فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ . . .
يقول الحق جل جلاله في بيان مقاصد الناس وهممهم في طلبهم في الحج وغيره :
فَمِنَ النَّاسِ
من قصرت نيته وانحطت همته ،
يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا
ما تشتهيه نفوسنا من حظوظها وشهواتها ، وليس له
فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ
أي : نصيب ، لأنه عجّل نصيبه في الدنيا . « إن اللّه يرزق العبد على قدر نيته »
وَمِنْهُمْ
من أراد كرامة الدنيا وشرف الآخرة
يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا
حالة
حَسَنَةً
؛ كالمعرفة ، والعافية ، والمال الحلال ، والزوجة الحسنة ، وجميع أنواع الجمال ،
وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً
؛ كالنظرة ، والحور العين ، والقصور ، وجميع أنواع النعيم ،
وَقِنا عَذابَ النَّارِ
بالعفو والمغفرة ، وقال سيدنا علىّ - كرّم اللّه وجهه - : ( الحسنة في الدنيا : المرأة الصالحة ، وفي الآخرة : الحوراء . وعذاب النار في الدنيا : المرأة السوء ) وقال الحسن : ( الحسنة في الدنيا : العلم والعبادة ، وفي الآخرة : الجنة ) .
وَقِنا عَذابَ النَّارِ
: احفظنا من الشهوات والذنوب المؤدية إلى النار ، وهذه كلها أمثلة للحالة الحسنة .