تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 225

مساهمون:

ص٢٢٥
قلت : المشهور في اللغة أن أحصر الرباعي : بالمرض ، وحصر الثلاثي : بالعدو ، وقيل : بالعكس ، وقيل : هما سواء . و ( ما استيسر ) : خبر أو مبتدأ ، أي : فالواجب ما استيسر ، أو : فعليه ما استيسر . يقول الحق جل جلاله :
وَأَتِمُّوا الْحَجَّ
الذي دخلتم فيه ،
وَالْعُمْرَةَ
وجوبا كالصلاة والصوم ، ويكون ذلك
لِلَّهِ
لا رياء ولا سمعة ، وإنما خص الحج والعمرة بالحض على الإخلاص ، لما يسرع إليهما من الخلل أكثر من غيرهما ، فمن أفسدهما وجب عليه قضاؤهما ،
فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ
ومنعتم من إتمامهما فتحللوا منهما ، وعليكم
فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ
، وذلك شاة
وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ
أي : لا تتحللوا
حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ
، أي : حيث يحل ذبحه ، وهو محل الإحصار عند الشافعي ، فيذبح فيه بنية التحلل ويفرق ، ومنى أو مكة عند مالك ، فيرسله فإذا تحقق أنه وصل وذبح حل وحلق . ويحرم على المحرم إزالة الشعث ، ولبس المخيط بالعضو ، فمن كان
مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً
صداع أو نحوه ، فحلق رأسه ، أو لبس ثيابه ، فعليه فدية
مِنْ صِيامٍ
ثلاثة أيام ،
أَوْ صَدَقَةٍ
على ستة مساكين ، مدّان لكل مسكين ،
أَوْ نُسُكٍ
بشاة فأعلى ، فهو مخير بين الثلاثة . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : إذا عقد المريد مع ربه عقدة ، فالواجب عليه إتمامها حتى يجنى ثمرتها ، فإذا عقد عقدة المجاهدة فليجاهد نفسه حتى يجنى ثمرتها ، وهي المشاهدة ، وإذا عقد مع الشيخ عقدة الصحبة ، فليلزم خدمته حتى يدخله إلى بيت الحضرة ، ويشهد له بالترشيد . وهكذا كل من عقد مع اللّه عقدة يجب عليه إتمامها ، فإن أحصر ومنع من إتمامها فليفعل ما استيسر من ذبح نفسه وحط رأسه ، و
لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها
، ولا ينبغي أن يستعجل الفتح قبل إبّانه ، فلعلّه يعاقب بحرمانه ، فكم من مريد طلب من شيخه أن يطلعه على سر الربوبية قبل بلوغ محله ، فكان ذلك سبب عطبه ، فيقال له : ولا تحلق رأسك من شهود السوي حتى يبلغ هدى نفسك محله فيذبح ، فإذا ذبحت النفس وأجهز عليها حلق رأسه حينئذ من شهود السّوى ، وفي ذلك يقول الششتري رضي اللّه عنه :
إن ترد وصلنا فموتك شرط * لا ينال الوصال من فيه فضله
فمن كان مريضا بضعف عزمه ، أو به أذى بعدم نهوض حاله ، بحيث لم تسعفه المقادير في مجاهدة نفسه ، فليشتغل بالنسك الظاهر من صيام أو صدقة أو قراءة أو غير ذلك ، حتى يمنّ عليه العليم الحكيم . وباللّه التوفيق ، وهو الهادي إلى سواء الطريق .
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 225 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان