تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 189

مساهمون:

ص١٨٩
ولما ذكر الحق تعالى نسخ القبلة ردا على اليهود ، والمنكرين للنسخ ، رجع إلى معاتبتهم على كتمان الحق ، فقال :

[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 159 إلى 162 ]

إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ ( 159 ) إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ( 160 ) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ( 161 ) خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ ( 162 ) قلت : الضمير في ( فيها ) : يعود على اللعنة أو النار ، وإضمارها قبل الذكر تفخيما لشأنها ، وتهويلا لأمرها . يقول الحق جل جلاله في شأن أحبار اليهود حيث كتموا صفة الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم :
إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ
ما أنزلناه عليهم في كتابهم من صفة محمد - عليه الصلاة السلام - من الآيات الواضحات في شأنه ، وبيان صفته وبلده وشريعته ، وما يهدى إلى وجوب اتباعه ، والإيمان به ،
مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ
في التوراة ،
أُولئِكَ
الكاتمون
يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ
ويطردهم عن ساحة رحمته ،
وَيَلْعَنُهُمُ
الجن والإنس ، وكل من يتأتى من اللعن ، كالملائكة وغيرهم .
إِلَّا الَّذِينَ تابُوا
من الكتمان ، وكل ما يجب أن يتاب منه ،
وَأَصْلَحُوا
ما أفسدوا من الدين بالتدارك ،
وَبَيَّنُوا
ما كتموا
فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ
وأرحمهم
وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ
أي : المبالغ في قبول التوبة وإفاضة الرحمة ، وأما من مات على الكفر ولم يتب فأولئك
عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ
، ومن يعتدّ بلعنته من
الْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ
خالدين في اللعنة أو في النار
لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ
ساعة ، ولا هم يمهلون عنه ، أو لا ينتظرون للأعتذار أو الفداء . الإشارة : ما قيل في أحبار اليهود يقال مثله في علماء السوء من هذه الأمة ، الذين ملكتهم جيفة الدنيا ، وأسرهم الهوى ، الذين يقبضون الرّشا على الأحكام ، فيكتمون المشهور الواضح ، ويحكمون بشهوة أنفسهم ، فأولئك يلعنهم اللاعنون ، وفي ذلك يقول ابن المبارك - رحمه اللّه - :
وهل أفسد الدين إلا الملوك * وأحبار سوء ورهبانها
وباعوا النفوس ولم يربحوا * ولم تغل في البيع أثمانها
لقد رتع القوم في جيفة * يبين لذي العقل إنتانها
وكان يحيى بن معاذ الرازي رضي اللّه عنه يقول لعلماء وقته : ( يا معشر العلماء ، دياركم هامانيّة ، وملابسكم قارونية ، ومراكبكم فرعونية وولائمكم جالوتية ، فأين السنة المحمدية ؟ ) . إلا من تاب وأصلح ما أفسد ، وبيّن ما كتم ، فأولئك يتوب اللّه عليهم .