تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 152

مساهمون:

ص١٥٢
وأسرار الخصوصية ، تمنّوا أن يردوهم عن طريق الحق ، وبصرفوهم إلى مخالطة الخلق ، حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق ، فيقال لمن توجه إلى الحق : فاعفوا واصفحوا حتى يظهر الحق ، ولا تلتفتوا إلى تشغيبهم ، ولا تشتغلوا قط بعيبهم فتكونوا أقبح منهم . قال بعض العارفين : ( لا تشتغل قط بمن يؤذيك واشتغل بالله يرده عنك ، وقد غلط في هذا الأمر خلق كثير ، اشتغلوا بمن يؤذيهم فطال الأذى مع الإثم . ولو أنهم رجعوا إلى مولاهم لكفاهم أمرهم . ) . بل ينبغي لمن يحسد أو يؤذى أن يغيب عن الحاسد وكيده ، ويشتغل بما هو مكلف به من حقوق العبودية وشهود عظمة الربوبية ، فإن الله لا يضيع من التجأ اليه ، ولا يخيب مقصود من اعتمد عليه . وبالله التوفيق . ومن جملة أماني اليهود الفارغة : ادعاء اختصاصهم بالجنة ، كما أبان ذلك الحق تعالى بقوله :

[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 111 إلى 112 ]

وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 111 ) بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 112 ) قلت :
وَقالُوا
عطف على
وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ
، والضمير يعود على أهل الكتاب من اليهود والنصارى ، أي : وقالت اليهود : لن يدخل الجنة إلا من كان هودا ، وقالت النصارى : لن يدخل الجنة إلا من كان نصارى ، و
هُوداً
: جمع هائد ، كبازل وبزل وحائل وحول ، والأماني : جمع أمنية ، وهي ما يتمنى المرء ويشتهيه ، وأصله أمنوية كأضحوكة وأعجوبة ، فقلبت الواو ياء وأدغمت ، و
هاتُوا
: اسم فعل بمعنى الأمر ، ومعناه آت ، وأهمل ماضيه ومضارعه ، و
أَسْلَمَ
معناه : استسلم وخضع ، والخوف مما يتوقع ، والحزن على ما وقع . يقول الحق جل جلاله : وقالت اليهود :
لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ
إلا من كان يهوديا ، أي : على دينهم ، وقالت النصارى : لن يدخل الجنة إلا من كان نصرانيا ، وهذه دعاوى باطلة ، وأماني فارغة ليس عليها بينة ، بل مجرد أمانيهم الكاذبة ،
قُلْ
لهم يا محمد :
هاتُوا بُرْهانَكُمْ
أنكم مختصون بالجنة
إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
في هذه الأمنية ، بل يدخلها غيركم من أهل الإسلام والإحسان ، فإن
مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ
أي : انقاد بكليته إليه
وَهُوَ مُحْسِنٌ
في أفعاله واعتقاده ،
فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ
وهو دخول النعيم والنظر إلى وجهه الكريم ،
وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ
من مكروه يتوقع
وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ
على فوات شئ يحتاجون إليه ؛ لأنهم في ضيافة الكريم تساق إليهم المسار وتدفع عنهم المضار ، وبالله التوفيق .