تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 146

مساهمون:

ص١٤٦
وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ
السحر حتى ينصحاه ويقولا :
إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ
لكم ، واختبار من اللّه تعالى لعباده ، ليظهر من يصبر عنه ومن لا يصبر ، وكان تعلمه في ذلك الوقت كفرا . فيقولان له
فَلا تَكْفُرْ
بتعلّمه ، فكانوا يتعلمون
مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ
وقدرته ، فلا تأثير لشئ إلا بإذن اللّه ، ويتعلمون منهما
ما يَضُرُّهُمْ
يوم القيامة
وَلا يَنْفَعُهُمْ
، ولقد علم بنو إسرائيل أن من اشتراه واستبدله بكتاب اللّه والعمل بما فيه
ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ
نصيب ،
وَلَبِئْسَ
ما باعوا به حظ أنفسهم من النعيم
لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ
، لكن لما لم يعملوا بعلمهم كانوا كمن لا علم عنده .
وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا
باللّه ورسوله
وَاتَّقَوْا
الكفر والسحر ، لأثيبوا ثوابا كبيرا ، وكان ذلك خيرا لهم مما استوجبوه من العقاب
لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ
. الإشارة : كل من أكبّ على دنياه وتتبع حظوظه وهواه ، وترك العمل بما جاء من عند اللّه ، يصدق عليه أنه نبذ كتاب اللّه ، واشتغل بما سواه من حب الدنيا والرئاسة والجاه ، فالدنيا سحارة غرارة ، تسحر القلوب وتغيبها عن حضرة علام الغيوب وفي الحديث : « اتقوا الدّنيا فإنها أسحر من هاروت وماروت » ، ولا شك أنها تفرق بين الأحباب وبين العشائر والأصحاب . ولقد علم من أخذ الدنيا ونعيمها ، وأكب عليها ما له في الآخرة من نصيب ، فبقدر ما يأخذ من نعيم الدنيا وشهواتها ينقص له من نعيم الآخرة . ولبئس ما شروا به أنفسهم - حيث آثروا الحياة الدنيا على الآخرة - لو كانوا يعلمون . ولو أنهم آمنوا باللّه ، واتقوا كل ما يشغل عن اللّه لكانوا من أولياء اللّه ، وتلك المثوبة - التي صاروا إليها - خير لو كانوا يعلمون . قال عبد الواحد بن زيد : سمعت أن جارية مجنونة في خراب الأبلّة تنطق بالحكم ، فطلبتها حتى وجدتها ، وهي محلوقة الرأس ، وعليها جبة صوف ، فلما رأتني قالت : مرحبا بك يا عبد الواحد ، ثم قالت : يا عبد الواحد ما جاء بك ؟ فقلت : تعظيننى ، فقالت : ووا عجبا لواعظ ، يوعظ ، يا عبد الواحد . . اعلم أن العبد إذا كان في كفاية ، ومال إلى شئ من الدنيا ، سلبه اللّه حلاوة الزهد ، وظل حيرانا ولها ، فإن كان له عند اللّه نصيب عاتبه وحيا في سره ، فيقول له : عبدي أردت رفع قدرك عند ملائكتي ، وأجعلك دليلا لأوليائي ، ومرشدا لأهل طاعتي ، فملت إلى عرض الدنيا وتركتني ، فأورثك ذلك الوحشة بعد الأنس ، والذل بعد العز ، والفقر بعد الغنى ، ارجع إلى ما كنت عليه ارجع إليك ما كنت تعرفه من نفسك . ثم انصرفت عنى وتركتني وبقيت حسرتها في قلبي . ه .