تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 143

مساهمون:

ص١٤٣
يا بنى قد عرفت أنك رأيتني حين فسقت بتلك المرأة ، وكنت أنتظر فراقك عنى من أجل ذلك ، فقال له التلميذ : يا سيدي الإنسان معرض لمجارى أقدار اللّه عليه ، وإني من الوقت الذي دخلت فيه إلى خدمتك ما خدمتك على أنك معصوم ، وإنما خدمتك على أنك عارف بطريق اللّه تعالى ، عارف بكيفية السلوك عليه الذي هو طلبي ، وكونك تعصى أو لا تعصى شئ بينك وبين اللّه عز وجل ، لا يرجع من ذلك شئ علىّ ، فما وقع منك يا سيدي شئ لا يوجب نفارى وزوالى عنك ، وهذا هو عقدي ، فقال له الشيخ : وفقت وسعدت هكذا وإلا فلا . . . فريح ذلك التلميذ ، وجاء منه ما تقرّ به العين من حسن الحال وعلوّ المقام « 1 » . ه . ولما وسمهم الحق تعالى بنقض العهود ، ذكر جزئية من ذلك ، فقال :

[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 101 ]

وَلَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ كِتابَ اللَّهِ وَراءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 101 ) يقول الحق جل جلاله :
وَلَمَّا جاءَهُمْ
يعنى اليهود
رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ
محمد صلّى اللّه عليه وسلّم
مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ
من التوراة بموافقته له في بعض الأخبار
نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ
، وهم من كفر من أحبار يهود ،
كِتابَ اللَّهِ
: التوراة ،
وَراءَ ظُهُورِهِمْ
، حيث لم يعملوا بما فيه من الأمر بالإيمان بالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وغيروا صفته التي فيه ، وكتموها ، فكأنهم طرحوه وراء ظهورهم ، وكأنهم لا علم لهم بشئ من ذلك . قال البيضاوي : اعلم أن الحق تعالى دل بالآيتين على أن حال اليهود أربع فرق : فرقة آمنوا بالتوراة وقاموا بحقوقها كمؤمنى أهل الكتاب ، وهم الأقلون المدلول عليهم بقوله :
بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ
، وفرقة جاهروا بنبذ عهودها ، وتخطى حدودها ، تمردا وفسوقا ، وهم المعنيون بقوله تعالى :
نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ
، وفرقة لم يجاهروا بنبذها ، ولكن نبذوا لجهلهم بها ، وهم الأكثرون ، وفرقة تمسكوا بها ظاهرا ، ونبذوها خفية ، عالمين بالحال بغيا وعنادا ، وهم المتجاهلون . ه . قلت : ولعلهم المنافقون منهم . ولما نبذوا كتاب اللّه اشتغلوا بكتب السحر مكانه ، كما أبان ذلك الحق تعالى بقوله :
هامش
( 1 ) مغزى القصة : التنبيه على أن المريد ينبغي له ألا يعتقد العصمة في الشيخ ؛ فإن الشيخ وإن كان على أكمل الحالات فليس بمعصوم .