تلك الآية عن النواس بن سمعان رضى اللّه عنه إذا أراد اللّه بالأمر تكلم بالوحي أخذت السماوات منه رجفة أو قال رعدة شديدة خوفا من اللّه فإذا سمع ذلك أهل السماوات صعقوا وخرّوا للّه سجدا فيكون أول من يرفع رأسه جبرئيل الحديث - وروى البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى اللّه عليه وسلم نحوه بلفظ إذا قضى اللّه الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله كأنه سلسلة على صفوان فإذا فزّع عن قلوبهم قالوا ما ذا قال ربّكم قالوا الحقّ الحديث - وقوله تعالى فلمّا تجلّى ربّه للجبل جعله دكّا وخرّ موسى صعقا .
وقول ابن عمر ان الشيطان يدخل في جوف أحدهم وكذا استعاذة أسماء محمول على أنهما زعما غشى ذلك الرجل تكلفا ومكرا ولذا نسباه إلى الشيطان وانما كان انكار تلك الحالة منهما لعدم طريان الحالة عليهما وعلى أمثالهما بناء على وسعة الحوصلة وقوة الاستعداد - ويدل على ما قلت إنه ذكر عند ابن سيرين الذين يصرعون إذا قرئ عليهم القران فقال بيننا وبينهم ان يقعد أحدهم على ظهر بنية باسطا رجليه ثم يقرا عليهم القران من أوله إلى آخره فان رمى بنفسه فهو صادق حيث علّق صدقه على رمى نفسه من ظهر بنية مرتفعة فعلم منه انه حمل صرعه على الكذب والتكلف - اعلم أن البشر أقوى استعدادا وأوسع حوصلة من الملائكة كما يشهد عليه قوله تعالى انّى جاعل في الأرض خليفة إلى قوله انّى أعلم ما لا تعلمون - وقوله تعالى انّا عرضنا الأمانة على السّماوات والأرض الآية ولأجل ذلك يأتي حالة الغشي على الملائكة كلّما سمعوا الوحي دون البشر واما البشر فإذا تمّ نزوله لا يتغير حاله الا نادرا وإذا تم عروجه وقصر نزوله يتغير غالبا واعلم أن الصوفي متى كان في السكر يتغير حاله غالبا عند ذكر المحبوب في الشعر والتغني ولذلك يستحبون السماع لكن تغير الحال عند سماع القران اشرف منه حالا لان عند استماع القران وتلاوته تتنزل البركات الأصلية المتعلقة بالتجليات الذاتية والصفات الحقيقية ولا سبيل إليها لأكثر الصوفية المحتبسين في مقام ولأجل ذلك تراهم يتغير حالهم عند السماع ما لا يتغير عند تلاوة القران واما الذين صعدوا ذروة الأفق الأعلى ثم دنى رب العزة وتدلّى فكان قاب قوسين أفادني لا يتغير أحوالهم الا كما كان يتغير حال أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم رضى اللّه عنهم
التفسير المظهرى — صفحة 209
مساهمون: محمد ثناء الله المظهري
ص٢٠٩