تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 385

مساهمون:

ص٣٨٥
تحصيل الحاصل وقد مر غير مرة أن المراد بالدوام العرفي لا الحقيقي إذ حاجة الإنسان تدفع إمكان الحقيقي . قوله : ( ليلا ونهارا وذكر اللّه يتناول ما يذكر به من تسبيح وتهليل وتمجيد وتحميد وصلاة وقراءة قرآن ودراسة علم ) ليلا ونهارا هذا التعميم بقرينة المقابلة وبإطلاقه وذكر اللّه تعالى أشار به إلى أن الاسم مقحم ويؤيده قوله وذكر اللّه يتناول الخ فإن الاسم لا يذكر في بعض الوجوه حتى يقال إن الاسم عين المسمى فذكر اللّه مشترك بين هذه اشتراكا بين هذه الوجوه اشتراكا معنويا فإن المراد به التعبد بأنواع الذكر قوله ودراسة علم أي علم شرعي والدراسة عام للتدريس والتدرس . قوله : ( وانقطع إليه بالعبادة وجرد نفسك عما سواه ) فإن كمال الذكر إنما يتحقق بالتجريد المذكور وما يترتب عليه من التجرد وهذا معنى التبتل والتجريد معنى التبتيل فالكلام من قبيل الاحتباك والمعنى وتبتل إليه تبتلا وبتل إليه تبتيلا كقوله تعالى :
أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً
[ نوح : 17 ] وما نحن فيه عكس ذلك وذكر التبتل والتبتيل للتنبيه على أنهما لازمان فإن التبتيل وهو التجريد فعل العبد والتبتل مطاوعه بكسر الواو وهو قبول الفعل وهو الانفعال يترتب على الترتيب الذي هو الفعل كالكسر والانكسار ولما كان المقصود التجرد والتبتل قدم على التبتيل والتجريد وإن كان مقدما في الوجود على الترتب والانقطاع وللإشارة إلى ذلك قال أولا وانقطع إليه بالعبادة معنى تبتل إليه ثم قال وجرد نفسك الخ ثانيا معنى تبتيلا من التفعيل . قوله : ( ولهذه الرمزة ومراعاة الفواصل وضع موضع تبتلا ) يعني أن مقتضى الظاهر أن يقال وتبتل إليه تبتلا فعدل عنه ووضع تبتيلا موضع تبتلا لما ذكر ولمراعاة الفاصلة ثم الظاهر أن قوله :
وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ
[ المزمل : 8 ] معطوف على قوله قم للتعميم بعد التخصيص وسبب التخصيص ما مر من التعليل المذكور وهو لا ينافي الأمر بالتجريد في النهار لأن كونه محل اشتغال المهمات لا ينافي التجريد عما سواه قال تعالى :
رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ
[ النور : 37 ] الآية غاية الأمر أن الليل يسهل فيه التجرد المذكور والحضور المزبور فلا يتوهم المنافاة بين قوله تعالى : التجدد فالمراد الاستمرار التجددي أي جدد ذكر اللّه ساعة فساعة من زماني الليل والنهار لا تغفل عن ذكره ساعة . قوله : وانقطع إليه وجرد نفسك عما سواه أخذ معنى الانقطاع من لفظ الفعل وهو تبتل الموضوع صيغته للمطاوعة ومعنى التجريد من لفظ المصدر وهو تبتيلا الموضوع صيغته للتعدية والتكثير ولإفادة هذين المعنيين وضع تبتيلا موضع تبتلا مع رعاية موافقة الفواصل فإن ما تقدم من الفواصل قيلا وطويلا وما تأخر وكيلا وجميلا وقليلا قال صاحب الفرائد يمكن أن يقال لما كان معنى تبتل إليه انقطع إليه أقيم التبتيل مقامه وأكد به ليدل على أن ذلك الانقطاع إلى الرب لا يحصل إلا بتكرار التبتل فالتبتل يدل على حصول الانقطاع والتبتيل على التكرار لأن التفعيل لتكثير الفعل .