قوله : ( أو إشعارا بأن بعضهم لا يدخل لموت أو غيبة ) فالتعليق راجع إلى دخول الجميع فلا إشكال أيضا ويرد عليه أنه تعالى يعلم بعدم دخول الجميع فلا وجه لكلمة الشك ولا يدفع الإشكال بأن أصله لتدخلن لا محالة إلا أن يشاء عدم الدخول لأن مشيئة عدم دخول البعض مقطوع به ومشيئة عدم دخول الجميع انتفاؤه مجزوم فلا وجه للشك منه تعالى فيجب صرفه إلى المخاطب مثل لعل وعسى مع أن فيه تغييرا فاحشا إذا لمشيئة بالنسبة إلى الدخول لا إلى عدم الدخول .
قوله : ( أو حكاية لما قاله ملك الرؤيا في النوم أو النبي عليه السّلام لأصحابه ) هذا جواب الثالث والرابع مثله فالشك راجح إلى الملك في الأول وإلى النبي عليه السّلام وقد مر في سورة يوسف
ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ
[ يوسف : 52 ] إنه يحتمل أنه من كلام زليخا مع أن ما قبله حكاية كلام يوسف وكذا قوله تعالى :
ذلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ
[ يوسف :
65 ] من كلام يعقوب مع أن ما قبله من كلام إخوة يوسف وحكاية كلام بعض بلا تصريح الحكاية في أثناء حكاية كلام آخر صحح إذا قام القرينة وهنا القرينة كنار على علم فلا وجه لإشكال صاحب التقريب بأنه كيف يدخل في كلامه تعالى ما ليس منه بدون حكاية وسلمه شراح الكشاف أنه وارد وغير مندفع وما حكاه اللّه من كلام غيره فهو كلام اللّه تعالى صرح به الإمام الأعظم في الفقه الأكبر الأفخم ولك أن تقول هذا مقول على السنة العباد ومثل قوله تعالى :
إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ اهْدِنَا
[ الفاتحة : 5 ، 6 ] .
[ يوسف : 99 ] إما من كلام اللّه عز وجل أو من كلام الملك أو الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم وعلى أن يكون من كلام اللّه تعالى فهو إما متعلق بلتدخلن أو بآمنين وإذا كان الأول فإيراده إما للتعليم أو للتبرك وإما أن المراد لتدخلن جميعا فإذا تعلق بآمنين كان المعنى ما ذكره في قوله :
ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ
[ يوسف : 99 ] اسلموا وآمنوا في دخولكم إن شاء اللّه والتقدير ادخلوا مصر آمنين إن شاء اللّه دخلتم آمنين وعلى أن يكون من كلام الملك فإنه لما ألقي كلام اللّه على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم القى هذه الكلمة من تلقاء نفسه تبركا وعلى أن يكون من كلام الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم لأصحابه فإنه صلوات اللّه عليه لما قص الرؤيا على أصحابه أتى بتأويلها مؤكدا بالجملة القسمية لأن رؤية الأنبياء وحي ثم إنه تعالى لما ذكر
لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ
استأنف بقوله لتدخلن ليكون جوابا لمن قال عند ذلك فيم صدقه اللّه فقيل في قوله :
لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ
[ الفتح : 27 ] وقد طعن بعض من شراح الكشاف في بعض الوجوه بأنه إذا كان من كلام اللّه ولم يكن لتعليم العباد بل المراد لتدخلن جميعا إن شاء اللّه ولم يمت منكم أحدا كان المراد لتدخلن جميعا إن شاء اللّه ولم يمت أحدا لكن اللّه تعالى أمات بعضهم وفيه بعد وإذا كان من كلام الملك فظاهر الورود لأن الزيادة من كلام الغير كيف يدخل في كلام اللّه تعالى وأولى الوجوه أن يكون تعليما للعباد ويكون كلمة تأديب يذكر في أثناء الكلام تيمنا وتبركا روى الواحدي عن أبي العباس أحمد بن يحيى استثنى اللّه تعالى فيما يعلم ليستثني الخلق فيما لا يعلمون وأمر بذلك في قوله :
وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ
[ الكهف : 23 ، 24 ] وكذا عن الإمام وقال أيضا إن ذلك لتحقيق الدخول لأن المؤمنين أرادوا الدخول وأبوا الصلح فقيل تدخلون لكن لا بجلادتكم ولا إرادتكم وإنما تدخلون بمشيئة اللّه تعالى وإرادته .