الظفر بهم لاختلاط المؤمنين بهم اعتنوا بهم ورغبوا في الإسلام واللام مستعارة للعاقبة عن معنى التعليل فإنه لما ترتب على الكف الصون وتوفيق بعض المشركين شبه ذلك بالعلة الغائية واستعملت فيه اللام كما حقق في قوله تعالى :
فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ
[ القصص : 8 ] وليس هذا مختصا بإرادة المشركين بل هو عام لإرادة المؤمنين فلا إشكال بأنه من أين لهم العلم بما ذكروهم جاحدون منكرون وإنما حمل اللام على الاستعارة لأن أفعاله تعالى غير معللة بالأغراض ولا ينافي هذا كون قوله :
فَتُصِيبَكُمْ
[ الفتح : 25 ] لأنه يفهم منه أن الكف المذكور معلل بصون المخاطبين لا بصون من بمكة من المؤمنين لأنه قد عرفت أنه لا مانع من تعدد العلل الناقصة من مؤمنيهم أو مشركيهم .
قوله : ( لو تفرقوا أو تمييز بعضهم من بعض ) جوز صاحب الكشاف أن يكون كالتكرير « 1 » لقوله : لولا رجال لمرجعهما إلى معنى واحد انتهى ويؤيده ما ذكرناه من أن قوله فيما مر بغير علم تكرير للعلم الأول فلا وجه لما ذكره أرباب الحواشي من التمحلات البعيدة .
قوله : ( وقرىء لو تزايلوا ) لأن التفرق للمشاركة وتزيلوا بمعنى تزايلوا .
قوله :
لَعَذَّبْنَا
[ الفتح : 25 ] بالقتل والسبي ) جواب لو لكن التفرق لم يوجد فلم يوجد التعذيب حينئذ لوجود الكف عنهم ( مقدر باذكر أو ظرف لعذبنا أو صدوكم ) .
قوله تعالى :
[ سورة الفتح ( 48 ) : آية 26 ]
إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى وَكانُوا أَحَقَّ بِها وَأَهْلَها وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً ( 26 )
قوله : ( الأنفة ) الاستكبار والاستنكاف .
قوله : ( حمية الجاهلية التي تمنع اذعان الحق ) بدل من الحمية للتقرير مع المبالغة في الذم والمعنى الحمية الناشئة من الجاهلية أو حمية الملة الجاهلية فالجاهلية صفة الملة أضيفت إليها الحمية للمبالغة مع أن الجاهلية صفة الجاهل لأن الجاهلية مصدر كالفاعلية والمفعولية وقد مر تفصيله في سورة آل عمران والمائدة .
قوله : ( فأنزل عليهم الثبات والوقار وذلك ما روي أنه عليه الصلاة والسّلام لما هم بقتالهم بعثوا سهيل بن عمرو وحويطب بن عبد العزى ومكرز بن حفص ليسألوه أن يرجع من عامه على أن يخلي له قريش مكة من القابل ثلاثة أيام فأجابهم وكتبوا بينهم كتابا فقال عليه الصلاة والسّلام لعلي رضي اللّه عنه اكتب بسم الرحمن الرحيم فقالوا ما نعرف هذا اكتب باسمك اللهم ثم قال عليه السّلام اكتب هذا ما صالح عليه رسول اللّه أهل مكة فقالوا لو كنا نعلم أنك رسول اللّه ما صددناك عن البيت وما قاتلناك اكتب هذا ما صالح عليه محمد بن عبد اللّه أهل مكة فقال النبي عليه الصلاة والسّلام اكتب ما يريدون فهم المؤمنون
هامش
( 1 ) كالتكرير بالكاف يدفع إشكال بعض الناظرين .