تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 443

مساهمون:

ص٤٤٣
من ضمير يدعوكم إما من البارز أو من المستتر لأن ماضوية الأخذ بالنسبة إلى الدعوة والأول هو الظاهر وعلى التقديرين فهذا الحال مثل الحال في جاءني زيد والشمس طالعة أي والرسول المعهود يدعوكم على الاستمرار إلى الإيمان لأن تؤمنوا باللّه والرسول حال كونه مقارنا لأخذ اللّه تعالى ميثاقكم وعهدكم فلا بد من هذا التأويل ليظهر كون الحال مبينة لهيئة الفاعل أو المفعول . قوله : ( ذلك بنصب الأدلة والتمكين من النظر ) ولو ترك نصب الأدلة واكتفى بقوله والتمكين من النظر على أن التمكين مصدر مبني للمفعول لكان أولى وما ذكره في أوائل البقرة من العهود ليس فيه نصب الأدلة بل عده في سورة الفاتحة من الهداية إلا أن يقال إن الميثاق مضاف إلى المفعول والفاعل هو اللّه تعالى فإن العهد يضاف إلى المعاهد بكسر الهاء والمعاهد كما صرح به المصنف في البقرة والتفصيل هناك وتوضيح المعنى أنه تعالى لما نصب الأدلة العقلية الآفاقية والأنفسية على وجوب الإيمان وخلق فيهم العقل والحواس وتمكن النظر الصحيح كأنه أخذ الميثاق أي العهد المؤكد على الإيمان والعمل الصالح بما جاء بهم الرسل فالظاهر أنه تمثيل كما اختاره المصنف في قوله تعالى :
وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ
[ الأعراف : 172 ] الآية فهذا الكلام أيضا بيان لموجب الإيمان وسببه العقلي إثر بيان السبب النقلي ولو ذكر قوله أي لا عذر لكم في ترك الإيمان بعد هذا القول كان أولى . من النظر هذا التفسير مبني على حمل أخذ الميثاق على المجاز ويجوز أن يحمل على الحقيقة وكل ما ورد به الشرع وأجاز العقل حمله على حقيقته وحب الإيمان به ولا ينبغي أن يصار إلى المجاز إن أمكن الحقيقة ويعضده ما قال محيي السنة أخذ اللّه ميثاقكم حين أخرجكم من ظهر آدم بأن اللّه ربكم لا إله لكم سواه قال الطيبي رحمه اللّه ويمكن أن يقال إن الضمير في أخذ إن كان للّه تعالى فالمناسب أن يراد بالميثاق ما دل عليه قوله تعالى :
قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ
[ البقرة : 38 ] الخ لأن المعنى فإما يأتينكم مني هدى برسول بعثه إليكم وكتاب أنزله عليكم يدل على الأول قوله والرسول يدعوكم لتؤمنوا وعلى الثاني هو الذي ينزل على عبده آيات بينات ليخرجكم من الظلمات إلى النور وإن كان للرسول فالظاهر أن يراد بالميثاق ما في قوله تعالى :
وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ
[ آل عمران : 81 ] على أن يضاف الميثاق إلى النبيين إضافته إلى الموثق لا إلى الموثق عليه أي الميثاق الذي وثقه الأنبياء على أممهم وهو الوجه لأن الخطاب مع الصحابة والمراد بالإنفاق الإنفاق في سبيل اللّه يدل عليه قوله :
لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا
[ الحديد : 10 ] ولعل الميثاق نحو ما روينا عن الإمام أحمد بن حنبل عن عبادة بن الصامت بايعنا رسول اللّه صلّى اللّه تعالى عليه وسلم على السمع والطاعة في النشاط والكسل وعلى النفقة في العسر واليسر وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعلى أن نقول في اللّه ولا نخاف لومة لائم وعلى أن ننصر رسول اللّه صلّى اللّه تعالى عليه وسلم الحديث .