تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 437

مساهمون:

ص٤٣٧
نسبة الأولية والآخرية في ذلك الشيء ولذلك لم يلتفت إلى ذلك الاحتمال صاحب الكشاف ولا صاحب الإرشاد . قوله : ( أو الأول خارجا والآخر ذهنا ) لأنه موجد الأشياء وهذا كما في الوجه الأول والآخر ذهنا كما يدل عليه براهين إثبات الصانع فالذهن يتعقل أولا الممكنات المحدثات ثم ينتقل منه إلى الصانع وبهذا يمتاز عن الوجه الأول فلا يرد عليه ما أورد على الأول بمثل الجنة وغيرها مما لم يكن فانيا بعد حدوثه وهذا الوجه أقرب من الوجه الثاني وإنما أخره لأن الأولية والآخرية ليستا على نسق واحد وهو خلاف الظاهر مع أنه يرد عليه أنه تعالى أول ذهنا إذ الاستدلال عليه بعد تعقله إجمالا إذ التوجه إلى نحو المجهول المطلق محال فلا تغفل فالاكتفاء بالوجه الأول أولى . قوله : ( الظاهر وجوده لكثرة دلائله والباطن حقيقة ذاته فلا تكتنهها العقول ) الظاهر وجوده وكذا الظاهر وحدته لوفرة براهينها ولذلك اشتغلوا وحدانيته بالبراهين الكثيرة أكثر من ذلك قوله : أو الأول خارجا والآخر ذهنا أي هو أول الموجودات في الخارج وفي نفس الأمر لأنه كان ولم يكن معه شيء ثم أوجدها وهو آخر الموجودات عند التعقل لأن الموجودات دلائل وعلامات دالة على وجوده تعالى والعلم بالمدلول متأخر عن العلم بالدليل فالمعنى هو الأول ذاتا والآخر علما وتعقلا أي معلومية ومنقولية والباطن حقيقة ذاته فلا يكتنهها العقول قال الزمخشري وهو في جميع الأوقات الآتية والماضية ظاهر وباطن جامع للظهور بالأدلة والخفاء فلا يدرك بالحواس وفي هذا حجة على من جوز إدراكه في الآخرة بالحاسة قال صاحب الانتصاف لا دليل في الآية على ما قال فيجوز أن يحمل على عدم الإدراك بالحاسة في الدنيا والآخرة للكفار فإن قيل التخصيص خلاف الظاهر قلنا المسألة قطعية فيكفينا التشكيك وأيضا فإن اللّه تعالى لم يظهر بالأدلة لكل أحد وقد خصصنا الظاهر فجاز أن يخصص الباطن أيضا وقال حجة الإسلام في المقصد الأقصى اعلم أن الأول يكون أولا بالإضافة إلى شيء والآخر آخرا بالإضافة إلى شيء وهما متناقضان فلا يتصور أن يكون الشيء الواحد من وجه واحد بالإضافة إلى شيء واحد أولا وآخرا جميعا بل إذا نظرت إلى ترتيب الوجود ولاحظت سلسلة الموجودات المترتبة فاللّه تعالى بالإضافة إليها أول إذ الموجودات كلها استفادت الوجود منه وأما هو فموجود بذاته ما استفاد الوجود من غيره فهو متأخر عنه ومهما نظرت إلى ترتيب السلوك ولاحظت منازل السالكين السائرين إليه فهو آخر ما يرتقي إليه درجات العارفين وكل معرفة تحصل قبل معرفته فهي مرقاة إلى معرفته والمنزل الأقصى هو معرفة اللّه تعالى فهو آخر بالإضافة إلى السلوك أول بالإضافة إلى الوجود فمنه المبدأ أولا وإليه المرجع آخرا وكذا القول في قوله الظاهر والباطن واللّه سبحانه باطن الطلب من إدراك الحواس وخزانة الخيال ظاهر الطلب من خزانة العقل والاستدلال وقال أيضا أنه تعالى إنما خفي مع ظهوره فظهوره سبب بطونه ونوره هو حجاب نوره وكل ما جاوز حده انعكس ضده وقال الأزهري وقد يكون الظاهر الباطن بمعنى العالم لما ظهر وبطن وذلك أن من كان ظاهرا احتجب عنه الباطن ومن كان باطنا استتر عنه الظاهر فإن أردت أن تصفه بالعلم قلت هو ظاهر باطن مثله قوله تعالى :
لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ
[ النور : 35 ] أي لا شرقية فقط ولا غربية فقط ولكنها شرقية وغربية .
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 437 | اسماعيل بن محمد القونوي / عبد الله محمود محمد عمر