بالخلائق ما للسبب في وجودها مدخل بخلاف الأسباب فإن المراد بها ما ليس لوجودها سبب والقول بأن الملائكة فإن لحدوثها سبب أيضا على ما ورد في الحديث من أن اللّه تعالى يخلق ببعض الأعمال الحسنة ملكا يسبح ويكون تسبيحه لذلك العامل فحينئذ يجوز أن يكون قوله من الملائكة الخ بيانا للخلائق خلاف الظاهر وأيضا ما ذكر غير مسلم عند المصنف إذ الملائكة عرفوها في أوائل البقرة بأنها أجسام خلقت من نور ولو سلم فالكلام الملائكة الذين ليس لوجودهم سبب ما ويجوز أن يكون ما ورد في الحديث محمولا على التمثيل والتخييل ثم الظاهر أنه استعارة أيضا شبهت الأسباب بالرياح في التفريق فإنها تفرق الخلائق من العدم إلى فضاء الوجود كما أن الرياح تفرق التراب ونحوها عن محالها .
قوله تعالى :
[ سورة الذاريات ( 51 ) : آية 2 ]
فَالْحامِلاتِ وِقْراً ( 2 )
قوله : ( فالسحب الحاملة للأمطار ) قد ذكر في موصوف الحاملات وجوها أيضا فذكر الأول ناظر إلى تفسير الذاريات بالرياح إذ الرياح تجمع السحاب وتفرقه أيضا فقول المصنف وغيره في قوله تذر التراب وغيره عام للسحاب وبهذا يظهر المناسبة التامة لما قبله فلو ذكر السحاب بدل التراب لكان أشد نسبة وظهر بهذا وجه تقديم الأول فحينئذ يكون المتعاطفان متغايرين ذاتا فهذا أيضا يكون وجه التقديم .
قوله : ( أو الرياح الحاملة للسحاب ) هذا أيضا ناظر إلى تفسير الذاريات بالرياح لكن المتعاطفين متغايران اعتبارا تنزيلا لتغاير الصفات منزلة تغاير الذوات وأيضا كون الرياح حاملة للسحاب غير ظاهر إلا أن يقال إنها حين تثير السحاب حاملة لها .
قوله : ( أو النساء الحوامل ) ناظر إلى تفسير الذاريات بالنساء الولود فالمتعاطفان متغايران اعتبارا كما مر .
قوله : ( أو أسباب ذلك ) أي ما ذكر من الرياح والأمطار والنساء هذا ناظر إلى تفسيرها بالأسباب لكن جعل الأسباب حوامل لكون مسبباتها حوامل فيكون مجازا عقليا لأنه أسند إليها فعل المسبب فعلم أن كلامه شبه لف ونشر مرتب .
قوله : ( وقرىء وقرا بفتح ) الواو على أنه مصدر وقره إذا حمله مفعول به أيضا لأنه بمعنى المفعول مجازا وهذا هو المراد بقوله على تسمية المحمول بالمصدر وأما قراءة الكسر فهو صفة مشبهة كالحمل بكسر الحاء بمعنى المحمول وبفتحها مصدر وكونه مصدرا مما صرح به الزمخشري وكفى بنا دليلا للأوجه لاشكال المحشي بأنه لم يذكره الثقاة من أئمة اللغة إلا بمعنى الثقل في الأذن على أن الاستقراء التام غير متحقق والناقص غير مفيد قوله : وقرىء وقرا بفتح الواو قال الجوهري الوقر بالفتح الثقل في الأذن وبالكسر الحمل ولما لم يناسب الوقر بمعنى الثقل الذي في الأذن هذا المقام جعله مجازا من باب إطلاق المصدر وإرادة المفعول .